معجم طبقات المتكلمين - اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(ع) - الصفحة ١٣٤
على العقول، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق، بل حنبلي محض. يقول: تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقته ـ إلى أن قال: ـ فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، فلذلك أُمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس.
فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقّت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلاّ بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق.[١]
يلاحظ عليه أوّلاً: ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب ، وإضفاء الأصالة عليها وانقطاعها عن مسبِّب الأسباب، فذلك كما ذكره كفر محض، ولكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار.
وإن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقاً لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه ويجعلها آية لتوحيد خالق العالم ومدبّره.
[١]مقدّمة ابن خلدون، الفصل العاشر في علم الكلام: ٤٢٤.