الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٩٦ - «الباب السادس و العشرون و ثلاثمائة في معرفة منزل التحاور و المنازعة و هو من الحضرة المحمدية الموسوية»
كتابا كصورة الظاهر و الشهادة و كونه كلاما كصورة الباطن و الغيب فأنت بين كثيف و لطيف و الحروف على كل وجه كثيف بالنسبة إلى ما يحمله من الدلالة على المعنى الموضوع له و المعنى قد يكون لطيفا و قد يكون كثيفا لكن الدلالة لطيفة على كل وجه و هي التي يحملها الحرف و هي روحه و الروح ألطف من الصورة ثم إن اللّٰه قد جعل للقرآن سورة من سورة قلبا و جعل هذه السورة تعدل القرآن عشرة أوزان و جعل لآيات القرآن آية أعطاها السيادة على آي القرآن و جعل من سور هذا القرآن سورة تزن ثلثه و نصفه و ربعه و ذلك لما أعطته منزلة تلك السورة و الكل كلامه فمن حيث هو كلامه لا تفاضل و من حيث ما هو متكلم به وقع التفاضل لاختلاف النظم فاضرع إلى اللّٰه تعالى ليفهمك ما أومأنا إليه فإنه المنعم المحسان
«وصل»
كون القرآن نورا بما فيه من الآيات التي تطرد الشبه المضلة مثل قوله تعالى لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا و قوله لاٰ أُحِبُّ الْآفِلِينَ و قوله فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ و قوله فَأْتِ بِهٰا مِنَ الْمَغْرِبِ و قوله إِذاً لاَبْتَغَوْا إِلىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً و قوله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاٰفاً كَثِيراً و قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ و كل ما جاء في معرض الدلالة فهو من كونه نورا لأن النور هو المنفر الظلم و به سمي نورا إذ كان النور النفور
«وصل»
و أما كونه ضياء فلما فيه من الآيات الكاشفة للأمور و الحقائق مثل قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلاٰنِ و قوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ و قوله أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ و قوله لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و قوله وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ و قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ و قوله فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا و ما أشبه ذلك مما يدل على مجرى الحقائق و مثل قوله وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ
«وصل»
و أما كونه شفاء فكفاتحة الكتاب و آيات الأدعية كلها
«وصل»
و أما كونه رحمة فلما فيه مما أوجبه على نفسه من الوعد لعباده بالخير و البشرى مثل قوله لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ و قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و كل آية رجاء
«وصل»
و أما كونه هدى فكل آية محكمة و كل نص ورد في القرآن مما لا يدخله الاحتمال و لا يفهم منه إلا الظاهر بأول وهلة مثل قوله وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ و قوله وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ و قوله مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا وَ مَنْ جٰاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاٰ يُجْزىٰ إِلاّٰ مِثْلَهٰا و قوله فَمَنْ عَفٰا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ و أمثال هذه الآيات مما لا تحصى كثرة
«وصل»
و أما كونه ذكرا فلما فيه من آيات الاعتبارات و قصص الأمم في إهلاكهم بكفرهم كقصة قوم نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و أصحاب الأيكة و أصحاب الرس
«وصل»
و أما كونه عربيا فلما فيه من حسن النظم و بيان المحكم من المتشابه و تكرار القصص بتغيير ألفاظ من زيادة و نقصان مع توفية المعنى المطلوب في التعريف و الإعلام مع إيجاز اللفظ مثل قوله يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ و قوله مٰا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّٰ جَدَلاً و قوله يٰا أَرْضُ ابْلَعِي مٰاءَكِ وَ يٰا سَمٰاءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْمٰاءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ و قوله وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ كل ذلك في آية واحدة تحتوي على بشارتين و أمرين بعلم نافع و تبيين ببشرى من اللّٰه
«وصل»
و أما كونه مبينا فبما أبان فيه من صفات أهل السعادة و أهل الشقاء و نعوت أهل الفلاح من غيرهم كقوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى آخر الآيات و قوله إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ و آيات الأحكام و كل آية أبان بها عن أمر ليعرف فلهذا سماه بهذه الأسماء كلها و جعله قرآنا أي ظاهرا جامعا لهذه المعاني كلها التي لا توجد إلا فيه وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ كمل السفر الحادي و العشرون بكمال هذا الباب
«الباب السادس و العشرون و ثلاثمائة في معرفة منزل التحاور و المنازعة و هو من الحضرة المحمدية الموسوية»
ينزل اللّٰه أينما كنا
دون أسماء ذاته الحسنى
و هو نور و النور مظهره
و لهذا أزاله عنا
فذوات الكيان مظلمة
و هي أدنى الدنو لا أدنى
ثم حزناه صورة شرفا
جملة الأمر نعم ما حزنا
سمع اللّٰه صوت سائله
بالذي قد أراده منا
فلهذا نكونه أبدا
و لهذا عنا فما زلنا
فإذا شاء أن يولدنا
في هيولى وجوده أمنا
بلبل البال في ذري فنن
يطرب الشرب كلما غنى
فظهرنا به لنا فأبى
فاستحلنا عنا و ما حلنا