الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١١١ - أن العلم المطلق ينقسم إلى قسمين
إعلامه للعارفين بالله فضرب لهم هذا المثل بالفعل ليعتبروا فيه بالعبور إلى ما نصب له من معرفة الإنسان الكامل و معرفة اللّٰه لوجوده على الصورة و تغير أحواله فيها لتغير المراتب التي يظهر فيها قال تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنٰاهُ مَنٰازِلَ و لم يسمه بدرا و لا هلالا فإنه في هاتين الحالتين ما له سوى منزلة واحدة بل اثنتين فلا يصدق قوله مَنٰازِلَ إلا في القمر فللقمر درج التداني و التدلي و له الأخذ بالزيادة و النقص في الدخول إلى حضرة الغيب و الخروج إلى حضرة الشهادة ثم إن اللّٰه تعالى نعته بالانشقاق لظهور الإنسان الكامل بالصورة الإلهية فكان شقا لها فظهورها في أمرين ظهور انشقاق القمر على فلقتين
ورد في الخبر عن الصاحب أن القمر انشق على عهد رسول اللّٰه ص عند سؤال طائفة من العرب أن يكون لهم آية على صدقه فانشق فقال رسول اللّٰه ص للحاضرين اشهدوا و قال تعالى اِقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ فلا يدري هل أراد الانشقاق الذي وقع فيه السؤال و هو الظاهر من الآية فإنه أعقب الانشقاق بقوله وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ و كذا وقع القول منهم لما رأوا ذلك و لهذا قال رسول اللّٰه ص للحاضرين اشهدوا لوقوع ما سألوا وقوعه و ما لهم إلا ما ظهر و هل هو ذلك الواقع في نفس الأمر أو في نظر الناظر هذا لا يلزم فإنه لا يرتفع الاحتمال إلا بقول المخبر إذا أخبر أنه في نفس الأمر كما ظهر في العين و قول المخبر هو محل النزاع و ما اشترطوا في سؤالهم أن لا يظهر منهم ما ظهر منهم من الاعتراض عند وقوع ما سألوا وقوعه فلم يلزم النبي ص أكثر مما وقع فيه من السؤال ثم جاء الناس من الآفاق يخبرون بانشقاق القمر في تلك الليلة و لهذا قال اللّٰه تعالى عنهم إنهم قالوا فيه سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ فقال اللّٰه كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ كان ذلك الأمر ما كان فالقمر لو لا ما هو برزخي المرتبة ما قبل الإهلال و الإبدار و المحق و السرار فالسحر المستمر داخل تحت حكم كل ذي أمر مستقر فهذا انشقاق بالحق و جهل في عين العلم و هو قوله ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فأثبته علما و اعلم أن النظر و الاعتبار من العلوم التي تظهر من الأسرار و الأنوار فالنور للبصر و الأبصار فقال اللّٰه لما ذكر هذا المقام فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ أي جوزوا مما أعطاكم البصر بنوره مما أدركه من المبصرات و أحكامها إلى ما تدركونه بعين بصائركم شهودا و هو الأتم الأقوى أو عن فكرة و هو الشهود الأدنى عن المرتبة العليا و كلاهما عابر عما ظهر إلى ما استسر و بطن فهي آيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ كما هي آيات لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ فالمتقي يتولى اللّٰه تعليمه فلا يدخل علمه شك و لا شبهة و المتفكر ناظر إلى قوة مخلوقة فيصيب و يخطئ و إذا أصاب يقبل دخول الشبهة عليه بالقوة التي أفادته الإصابة لاختلاف الطرق فالمتقي صاحب بصيرة و المتفكر بين البصر و البصيرة لم يبق مع البصر و لا يخلص للبصيرة فلنذكر في هذا المنزل مسألة من مسائله كإخوانه من المنازل و هو منزل شريف عال يسمى منزل النور في الطريق لأن اللّٰه جعله نورا و لم يجعله سراجا لما في السراج من الافتقار إلى الإمداد بالدهن لبقاء الضوء و لهذا كان الرسول سِرٰاجاً مُنِيراً للامداد الإلهي الذي هو الوحي و جعله منيرا أي ذا نور لما فيه من الاستعداد لقبول هذا الإمداد كالنار التي في رأس الفتيلة التي ينبعث منها الدخان الذي فيه ينزل النور على رأس الفتيلة من السراج فيظهر سراجا مثله و النور من الأسماء الإلهية و ليس السراج من أسمائها لأنه لا يستمد نوره من شيء فعرفت من هذا الاعتبار رتبة القمر من الشمس قال تعالى وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً و جَعَلَ الشَّمْسَ سِرٰاجاً فنور السراج مقيد و النور القمري مطلق و لهذا نكره ليعم الأنوار فكل سراج نور و ما كل نور سراج
[أن العلم المطلق ينقسم إلى قسمين]
و اعلم أنه من العلم بالتحقق بالصورة أن العلم المطلق من حيث ما هو متعلق بالمعلومات ينقسم إلى قسمين إلى علم يأخذه الكون من اللّٰه بطريق التقوى و هو قوله إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً و قوله في الخضر وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً و علم يأخذه اللّٰه من الكون عند ابتلائه إياه بالتكليف مثل قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ فلو لا الاشتراك في الصورة ما حكم على نفسه بما حكم لخلقه من حدوث تعلق العلم فإن ظهر الإنسان بصورة الحق كان له حكم الحق فكان الحق سمعه و بصره فسمع بالحق فلا يفوته مسموع و يبصر بالحق فلا يفوته مبصر عدما كان المبصر أو وجودا و إن ظهر الحق بصورة الإنسان في الحال الذي لا يكون الإنسان في صورة الحق كان الحكم على اللّٰه مثل الحكم على صورة الإنسان الذي ما له صورة الحق فينسب إليه ما ينسب إلى تلك الصورة من حركة و انتقال و شيخ و شاب و غضب و رضاء و فرح و ابتهاج و من أجل ما بيناه من شأن هذين العلمين جعل اللّٰه