الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤١٠ - أن الحكمة في الأشياء كلها
الحق إلا ما نحن عليه و فينا الكامل و الأكمل فإن اللّٰه أعطى كل شيء خلقه فلما قرر اللّٰه هذه النعم على عبده و هداه السبيل إليها قال إِمّٰا شٰاكِراً فيزيده منها لأنا قلنا إنه ما أعطاه إلا منه ما أعطاه مطلقا وَ إِمّٰا كَفُوراً بنعمه فيسلبها عنه و يعذبه على ذلك فليحترز الإنسان لنفسه في أي طريق يمشي فما بعد بيان اللّٰه بيان و قال موسى ع لبني إسرائيل إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّٰهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ينبه أن اللّٰه تعالى ما أوجد العالم إلا للعالم و ما تعبده بما تعبده به إلا ليعرفه بنفسه فإنه إذا عرف نفسه عرف ربه فيكون جزاؤه على علمه بربه أعظم الجزاء و لذلك قال إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ و لا يعبدونه حتى يعرفوه فإذا عرفوه عبدوه عبادة ذاتية فإذا أمرهم عبدوه عبادة خاصة مع بقاء العبادة العامة الذاتية فجازاهم على ذلك فما خلقهم إلا لهم و لهذا قال تعالى عن نفسه إنه غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و ما ذكر موسى الأرض إلا لكمالها بوجود كل شيء فيها و هو الإنسان الجامع حقائق العالم فقوله في الأرض لأنها الذلول فهي الحافظة مقام العبودة فكأنه قال إن تكفروا أنتم و كل عبد لله فإن اللّٰه غني عن العالمين و لذلك جعل اللّٰه الأرض محل الخلافة و منزلها فكأنه كنى أي إني جاعل في الأرض خليفة منهم لا يزول عن مقام عبوديته في نفسه أي لا يحجبه مرتبة الخلافة بالصفات التي أمره بها عن رتبته و لهذا جعلناه خليفة و لم نذكره بالإمامة لأن الخليفة يطلب بحكم هذا الاسم عليه من استخلفه فيعلم أنه مقهور محكوم عليه فما سماه إلا بما له فيه تذكرة لأنه مفطور على النسيان و السهو و الغفلة فيذكره اسم الخليفة لمن استخلفه فلو جعله إماما من غير أن يسميه خليفة مع الإمامة ربما اشتغل بإمامته عمن جعله إماما بخلاف خلافته لأن الإمامة ليست لها قوة التذكير في الخلافة فقال في الجماعة الكمل جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ فِي الْأَرْضِ فوقع هذا في مسموعهم فتصرفوا في العالم بحكم الخلافة و قال لإبراهيم ع بعد أن أسمعه خلافة آدم و من شاء اللّٰه من عباده إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً لما علم إن الخلافة قد أشربها فلا يبالي بعد ذلك أن يسميه بأي اسم شاء كما سمي يحيى بسيد و لما عرفه العارفون به تميزوا عمن عرفه بنظره فكان لهم الإطلاق و لغيرهم التقييد فيشهده العارفون به في كل شيء أو عين كل شيء و يشهده من عرفه بنظره منعزلا عنه ببعد اقتضاه له تنزيهه فجعل نفسه في جانب و الحق في جانب فيناديه من مكان بعيد و لما كانت الخلافة تطلب الظهور بصورة من استخلفه و الذي جعله خليفة عنه ذكر عن نفسه أنه عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ فلا بد أن يكون هذا الخليفة على صراط فنظر في الطرق فوجدها كثيرة منها صِرٰاطِ اللّٰهِ و منها صِرٰاطِ الْعَزِيزِ و منها صراط الرب و منها صراط محمد ص و منها صراط النعم و هو صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و هو قوله لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً فاختار هذا الإمام المحمدي سبيل محمد ص و ترك سائر السبل مع تقريرها و إيمانه بها و لكن ما تعبد نفسه إلا بصراط محمد ص و لا تعبد رعاياه إلا به و رد جميع الأوصاف التي لكل صراط إليه لأن شريعته عامة فانتقل حكم الشرائع كلها إلى شرعه فشرعه يتضمنها و لا تتضمنه فمنها صِرٰاطِ اللّٰهِ و هو الصراط العام الذي عليه تمشي جميع الأمور فيوصلها إلى اللّٰه فيدخل فيه كل شرع إلهي و موضوع عقلي فهو يوصل إلى اللّٰه فيعم الشقي و السعيد ثم إنه لا يخلو الماشي عليه إما أن يكون صاحب شهود إلهي أو محجوبا فإن كان صاحب شهود إلهي فإنه يشهد أنه مسلوك به فهو سالك بحكم الجبر و يرى أن السالك به هو ربه تعالى و ربه عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ كذا تلاه علينا سبحانه و تعالى إن هودا ع قاله و هو رسول من رسل اللّٰه فلهذا كان مآله إلى الرحمة و إذا أدركه في الطريق النصب فتلك أعراض عرضت له من الشئون التي الحق فيها كل يوم و ذلك قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و لا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا و ما أحد أكشف للأمور و أشهد للحقائق و أعلم بالطرق إلى اللّٰه من الرسل عليهم الصلاة و السلام و مع هذا فما سلموا من الشئون الإلهية فعرضت لهم الأمور المؤلمة النفسية من رد الدعوة في وجهه و ما يسمعه في الحق تعالى مما نزه جلاله عنه و في الحق الذي جاء به من عند اللّٰه و كذلك الأمور المؤلمة المحسوسة من الأمراض و الجراحات و الضرب في هذه الدار و هذا أمر عام له و لغيره و قد تساوى في هذه الآلام السعيد و الشقي و كُلٌّ يَجْرِي فيه إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى عند اللّٰه فمنهم من يمتد أجله إلى حين موته و يحصل في الراحة الدائمة و الرحمة العامة الشاملة و هم الذين لاٰ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و لا يخافون على أنفسهم و لا على أممهم لأنهم كانوا مجهولين في الدنيا و الآخرة