الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤١٢ - صراط الرب
وَ هُوَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ فِي الْأَرْضِ و عليه يقرب من عبده أضعاف ما يتقرب إليه عبده إذا سعى إليه بالطريق التي شرع له فهو يهرول إليه إذا رآه مقبلا ليستقبله تهمما بعبده و إكراما له و لكن على صراط العزة و هو صراط نزول لا عروج لمخلوق فيه و لو كان لمخلوق فيه سلوك ما كان عزيزا و ما نزل إلينا إلا بنا فالصفة لنا لا له فنحن عين ذلك الصراط و لذلك نعته بالحميد أي بالحامد المحمود لأن فعيل إذا ورد يطلب اسم الفاعل و المفعول فأما إن يعطي الأمرين معا مثل هذا و إما أن يعطي الأمر الواحد لقرينة حال و قد أثنى على نفسه فهو الحامد المحمود و أعظم ثناء أثنى به على نفسه عندنا كونه خلق آدم على صورته و سماه بأمهات الأسماء التي يدخل كل اسم تحت إحاطتها و لذلك
قال ص أنت كما أثنيت على نفسك فأضاف النفس الكاملة إليه إضافة ملك و تشريف لما
قال من عرف نفسه عرف ربه فكل ثناء أثنى اللّٰه به على الإنسان الكامل الذي هو نفسه لكونه أوجده على صورته كان ذلك الثناء عين الثناء على اللّٰه بشهادة رسول اللّٰه ص و تعريفه إيانا في
قوله ص أنت كما أثنيت على نفسك أي كل ما أثنيت به على من خلقته على صورتك هو ثناؤك عليك و لما كان الإنسان الكامل صراط العزيز الحميد لم يكن للصراط أن يسلك فيه و لا يتصف الصراط بالسلوك فلهذا سماه بالعزيز أي ذلك ممنوع لنفسه فالحق سبحانه يختص بالنزول فيه كما أخبر عن نفسه من النزول و الهرولة و العبد العارف على الحقيقة ما يسلك إلا في اللّٰه فالله صراطه و ذلك شرعه
به رباطي و بنا رباطه فهو صراطي و أنا صراطه
فانظر مقالي فهو قول صادق محكم محقق مناطه
فهو حبيبي و أنا به فقد حواه قلبي فإنا فسطاطه
عز فما تدركه أبصارنا لقربه فقد طوى بساطه
فبعده لقربه ليس سوى هذا و ما قد قلته استنباطه
فهو على صراط عزيز لأنه الخالق فلا قدم لمخلوق فيه أروني ما ذا خلق الذين من دونه لا يجدونه أصلا لا علما و لا عينا بَلِ الظّٰالِمُونَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ لأنه كل ما علم فقد بان و اللّٰه تعالى أخرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود فكنا نورا بإذن ربنا إِلىٰ صِرٰاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فنقلنا من النور إلى ظلمة الحيرة و لهذا إذا سمعناه يثني على نفسه فنرى ذلك في نفوسنا و إذا أثنى علينا فنرى ما أثنى به علينا هو ثناؤه على نفسه ثم ميزنا عنه و ميز نفسه عنا ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و بما علم و جهلناه و بما نحن عليه من الذلة و يتعالى عن هذا الوصف في نفسه فنقول نحن هو ما نحن هو بعد ما قلنا إذ أخرجنا من الظلمات إلى النور هو هو و نحن نحن فتميزنا فلما جاء بالثناء بعد وجودنا ثناء منه على نفسه و علينا و كلفنا بالثناء عليه أوقفنا في الحيرة فإن أثنينا عليه بنا فقد قيدناه و إن أطلقناه كما
قال لا أحصي ثناء عليك فقد قيدناه بالإطلاق فميزناه و من تقيد فلا يوصف بالغنى فإن التقييد يربطه إذ قد أدرك المحدث إطلاقه تعالى و قد قال عن نفسه إنه غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ فحيرنا فلا ندري ما هو و لا ما نحن فما أظن و اللّٰه أعلم أنه أمرنا بمعرفته و أحالنا على نفوسنا في تحصيلها إلا لعلمه أنا لا ندرك و لا نعلم حقيقة نفوسنا و نعجز عن معرفتنا بنا فنعلم أنا به أعجز فيكون ذلك معرفة به لا معرفة
و غير هذا فلا يكون فإنه ظاهر مبين
فاصغ إلى قولنا تجده علما و قد جاءك اليقين
فالجهل صفة ذاتية للعبد و العالم كله عبد و العلم صفة ذاتية لله فخذ مجموع ما أشرت إليه في هذا تجده الصراط العزيز
[صراط الرب]
و أما صراط ربك فقد أشار إليه تعالى بقوله فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ يقول كأنما يخرج عن طبعه و الشيء لا يخرج عن حقيقته كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ و هذا فأشار إلى ما تقدم ذكره صِرٰاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً و ما ذكر إلا إرادته للشرح و الضيق فلا بد منهما في العالم لأنه ما يكون إلا ما يريد و قد وجد ثم وصف نفسه يعني بالغضب و الرضاء و التردد و الكراهة ثم أوجب فقال و مع الكراهة فلا بد له من لقائي فهذا عين قوله كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ فهو كالجبر في الاختيار فمن ارتفع عنه أحد الوصفين من عباد اللّٰه فليس بكامل أصلا و لذا قال في حق الكامل وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمٰا يَقُولُونَ فَاصْبِرْ