الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٣٢ - القرابة قرابتان قرابة الدين و قرابة الطين
الأرحام القريبة إلا ليسعدوا بذلك و ما من شخص إلا و له رحم يصلها و لو بالسلام كما
قال صلوا أرحامكم و لو بالسلام فإذا وصلنا رحمنا لم نصل على الحقيقة إلا هو و إن حملناه في عين رحمنا فهو يعرف نفسه كما إن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل إن تقع بيد السائل و قال لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لاٰ دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ و في نفس الأمر قد قلنا إنا وقاية له من كل سوء فلا بد لكل أحد أن يكون له صديق من الناس على أي دين كان و لا بد له من مراعاة صديقه و هو في النسب رحمه بلا شك لأنه أخوه لأمه و أبيه فكل بر طهر من أحد إلى أحد فهو صلة رحم لذا يقبلها اللّٰه من كل أحد فضلا من اللّٰه و نعمة غير أنهم بينهم مفاضلة في القرب قال علي بن أبي طالب القيرواني في ذلك
الناس في جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم و الأم حواء
فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين و الماء
ما الفضل إلا لأهل العلم أنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
و قدر كل امرئ ما كان يحسنه و الجاهلون لأهل العلم أعداء
[القرابة قرابتان قرابة الدين و قرابة الطين]
و القرابة قرابتان قرابة الدين و قرابة الطين فمن جمع بين القرابتين فهو أولى بالصلة و إن انفرد أحدهما بالدين و الآخر بالطين فتقدم قرابة الدين على قرابة الطين كما فعل الحق تعالى في الميراث فورث قرابة الدم و لم يورث قرابة الطين إذا اختلفا في الدين فكان الواحد مؤمنا بالله وحده و الأخ الآخر كافر بأحدية اللّٰه و مات أحد الأخوين لم يجعل له نصيبا في ميراثه فقال لا يتوارث أهل ملتين و قد ذهب عقيل دون علي بن أبي طالب بمال أبيه لما مات أبو طالب عم رسول اللّٰه ص و كل من قطع رحمه في حق شخص و هو قد وصلها في حق شخص آخر فالذي يرعى اللّٰه من ذلك جانب الوصلة لا جانب القطع فإنه القائل على لسان رسوله ص أتبع السيئة مثل قطع تلك الرحم الحسنة مثل وصلة الرحم تحمها فوصل رحمه في زيد يمحو قطع رحمه في عمرو و هذا أخوه و هذا أخوه لأن اللّٰه يصل الرحم و لا يقطعها فالحق يعضده في صلة من وصلها و يقطع من قطعها لأنه عين ذلك الذي قطعها ففي الوصل كلمة عناية إلهية بالواصل و في القطع كلمة تحقيق أي أن الأمر كذلك فما في العالم إلا من هو وصول رحمه الأقوى الأقرب فإن أفضل الصلات في الأرحام صلة الأقرب فالأقرب و قد جاء في الصدقة أن أفضلها اللقمة يجعلها الإنسان في فمه لأنه لا أحد أقرب إليه من نفسه و اللّٰه أقرب إلى العبد من نفسه منه فإنه القائل نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فإذا وصله العبد فقد وصل الأقرب بلا شك فقد أتى ما هو الأولى بالوصل في الأقربين فإن النص فيه و لهذا عم كل الأشياء اتساع رحمته فمن حجر رحمة اللّٰه فما حجرها إلا على نفسه و لو لا أن الأمر على خلاف ذلك لم ينل رحمة اللّٰه من حجرها و قصرها و لكن و اللّٰه ما يستوي حكم رحمة اللّٰه فيمن حجرها بمن لم يحجرها و أطلقها من عين المنة كما أطلقها اللّٰه في كتابه في قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فما من شيء إلا و هو طامع في رحمة اللّٰه فمنهم من تناله بحكم الوجوب و منهم من تناله بحكم المنة كنت قاعدا يوما بإشبيلية بين يدي شيخنا في الطريق أبي العباس العريني من أهل العليا بمغرب الأندلس فدخل عليه رجل فوقع ذكر المعروف و الصدقة فقال الرجل اللّٰه يقول الأقربون أولى بالمعروف فقال الشيخ على الفور إلى اللّٰه فما أبردها على الكبد و كذلك هو الأمر في نفسه و لا أقرب من اللّٰه فهو القريب سبحانه الذي لا يبعد إلا بعد تنزيه و تنقطع الأرحام بالموت و لا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق فإنه معنا حيثما كنا و نحن ما بيننا نتصل في وقت و ننقطع في وقت بموت أو بفقد و ارتحال و كم من حال قد أغنى عن سؤال و من جهل نفسه فهو بغيره أجهل و من علم غيره فهو بنفسه أعلم
من عرف نفسه عرف ربه
ليس الذي يخبر عن غيره
مثل الذي يخبر عن نفسه
لأنه يخبر عن فوقه
في غيبه كان و في حسه
و كل من أخبر عن نفسه
فإنما أخبر عن جنسه
و الحق إن قيدته إنه
لا يحجب المحبوس في حبسه