الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨٥ - أن النار جاء بها الحق مطلقة و جاء بها مضافة
فعز الأمر أن يدري فيحكي
و جل فليس يضبطه اصطلاح
فتجهله العقول إذا تراه
تعبر عنه السنة فصاح
من أقوام مقلدة عقولا
لا مكان يكون به الصلاح
فهم بالفكر قد جمعوا عليه
على جهل فخانهم الفلاح
و قال العارفون بما رأوه
فما اصطلحوا فجاءهم النجاح
فليس كمثله في الكون شيء
و ليس له بنا إلا السراح
فبتقييدنا حكمنا عليه بالإطلاق و أما الأمر في نفسه فغير منعوت بتقييد و لا إطلاق بل وجود عام فهو عين الأشياء و ما الأشياء عينه فلا ظهور لشيء لا تكون هويته عين ذلك الشيء فمن كان وجوده بهذه المثابة كيف يقبل الإطلاق أو التقييد هكذا عرفه العارفون فمن أطلقه فما عرفه و من قيده فقد جهله
فالله ليس سواه مشهودا لنا و هو المنزه و المجمع بيننا
فالقيد و الإطلاق فيه واحد و كلاهما حكم عليه له بنا
فانظر إليه بعينه إن كنت ذا لب تجده بالسريرة معلنا
هذا هو الحق الصريح لمن يرى ما قد رأيت مبرهنا و مبينا
[أن اللّٰه تعالى ما جعل للأرواح أجنحة إلا للملائكة]
و اعلم أن اللّٰه تعالى ما جعل للأرواح أجنحة إلا للملائكة منهم لأنهم السفراء من حضرة الأمر إلى خلقه فلا بد لهم من أسباب يكون لهم بها النزول و العروج فإن موضوع الحكمة يعطي هذا فجعل لهم أجنحة على قدر مراتبهم في الذي يسرون به من حضرة الحق أو يعرجون إليه من حضرة الخلق فهم بين الخلق و الأمر يترددون و لذلك قالوا وَ مٰا نَتَنَزَّلُ إِلاّٰ بِأَمْرِ رَبِّكَ فاعلم ذلك فإذا نزلت هذه السفرة على القلوب فإن رأتها قلوبا طاهرة قابلة للخير أعطتها من علم ما جاءت به على قدر ما يسعها استعدادها و إن رأتها قلوبا دنسة ليس فيها خير نهتها عن البقاء على تلك الحال و أمرتها بالطهارة بما نص لها الشارع إن كان في العلم بالله فبالعلم به مما يطلبه الفكر و جاء به الخبر النبوي عن اللّٰه و إن كان في الأكوان فبعلم الأحكام و اعتقاداتها هذا و يلزمه حكمها في ذلك إذا وجدت القلوب و إذا لم تجدها كقلوب العارفين الذين هم في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فلا تعرف الملائكة أين ذهبوا فهؤلاء هم الذين يأخذون عن اللّٰه من الوجه الخاص ما هم عليه من الأحوال فيجهلون و يؤخذ عليهم ما يأتون به و من هنا أخذ خضر علمه فهؤلاء ينكر عليهم و لا ينكرون على أحد إلا بلسان الشرع فلسان الشرع هو الذي أنكر لا هم كالمسبح بحمد اللّٰه فالله هو الذي أثنى على نفسه بما يعلم نفسه عليه فإن قام فضول بالإنسان و استنبط له ثناء لم يجيء بذلك اللفظ خطاب إلهي فما سبحه بحمده بل بما استنبطه من عنده فينقص عن درجة ما ينبغي فقل ما قاله عن نفسه و لا تزد في الرقم و إن كان حسنا فقد أبنت لك ما إذا عملت به كنت من أهل الحق وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الوصل الأحد عشر من خزائن الجود»
النار ناران نار اللّٰه و اللهب
و الدار داران دار الفوز و العطب
و كلها سبب من كون منشئها
فاجزع من الكون لا تجزع من السبب
و خف من العلم إن العلم يحكمه
و اجنح إلى السلم لا تجنح إلى الحرب
[أن النار جاء بها الحق مطلقة و جاء بها مضافة]
اعلم علمك اللّٰه أن النار جاء بها الحق مطلقة مثل قوله تعالى النار بالألف و اللام حيث جاءت و جاء بها مضافة فمنها نار أضافها إلى اللّٰه مثل قوله نٰارُ اللّٰهِ الْمُوقَدَةُ و نار أضافها إلى غير اللّٰه مثل قوله لَهُمْ نٰارُ جَهَنَّمَ ثم نعت هذه النار بنعوت و أخبر عنها بأخبار من الوقد و الإطباق و غير ذلك و جعل لها حكما في الظاهر فجعلها ظرفا مثل قوله فَأَنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِداً فِيهٰا فجاء بالظرف و حكما في الباطن و هو أن يكون ظاهر العبد ظرفا لها و هي نٰارُ اللّٰهِ الْمُوقَدَةُ اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ و الأفئدة باطن الإنسان فهي تظهر في فؤاد الإنسان و عن هذه النار الباطنة ظهرت النار الظاهرة و العبد منشا