الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥١ - أن أصل أرواحنا روح محمد ص
أو يلتذ من يتقي فإن تقواه و حذره و خوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه و علمه بأنه مسئول عنه لا يتركه يفرح و لا يسر بعزة المقام
قال ص أنا أتقاكم لله و أعلمكم بما اتقى حين قالت له الصحابة في اجتهاده قد غفر اللّٰه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر بعد قوله المنزل عليه لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ و أمثال هذا و قال إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ و قال اِتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ و قال فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ و اِتَّقُوا اللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّٰهُ و هذا هو حظ الوراثة من النبوة أن يتولى اللّٰه تعليم المتقي من عباده فيقرب سنده فيقول أخبرني ربي بشرع نبيه الذي تعبده به ممن أخذه أوحى به إليه فهو عال في العلم تابع في الحكم و هم الذين ليسوا بأنبياء و تغبطهم الأنبياء ع في هذه الحالة لأنهم اشتركوا معهم في الأخذ عن اللّٰه و كان أخذ هذه الطائفة عن اللّٰه بعد التقوى بما عملوا عليه مما جاءهم به هذا الرسول فهم و إن كانوا بهذه المثابة و أنتج لهم تقواهم الأخذ عن اللّٰه في موازين الرسل و تحت حوطتهم و في دائرتهم و وقع الاغتباط في كونهم لم يكونوا رسلا فبقوا مع الحق دائما على أصل عبودية لم تشبها ربوبية أصلا فمن هنا وقع الغبط لراحتهم و إن كانت الرسل أرفع مقاما منهم أ لا تراهم يوم القيامة لاٰ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و لا يداخلهم خوف البتة و الرسل في ذلك اليوم في غاية من شدة الخوف على أممهم لا على أنفسهم و الأمم في الخوف على أنفسهم و هؤلاء في ذلك اليوم لا أثر للخوف عندهم فإنهم حشروا إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً ثم لتعلم بعد أن عرفتك بعلو منصبك أيها الصديق في اتباع ما شرع لك إن الناس غلطوا في الصادقين من عباد اللّٰه المثابرين على طاعة اللّٰه و اشترط من لا يعرف الأمر على ما هو عليه و لا ذاق طريق القوم إن الداعي إلى اللّٰه إذا كان يدعو إلى اللّٰه بحالة صدق مع اللّٰه أثر في نفوس السامعين القبول فلا ترد دعوته و إذا دعا بلسانه و قلبه مشحون بحب الدنيا و أغراضها و كان دعاؤه صنعة لم يؤثر في القلوب و لا تعدى الآذان فيقولون إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب و إذا خرج من اللسان لم يتعد الآذان و هذا غاية الغلط فو الله ما من رسول دعا قومه إلا بلسان صدق من قلب معصوم و لسان محفوظ كثير الشفقة على رعيته راغب في استجابتهم لما دعاهم إليه هذه أحوال الرسل في دعائهم إلى اللّٰه تعالى و صدقهم و مع هذا يقول ص إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهٰاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعٰائِي إِلاّٰ فِرٰاراً وَ إِنِّي كُلَّمٰا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصٰابِعَهُمْ فِي آذٰانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيٰابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبٰاراً و قال تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُدٰاهُمْ و قال إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ و قال مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاٰغُ فلو أثر كلام أحد في أحد لصدقه في كلامه لأسلم كل من شافهه النبي ع بالخطاب بل كذب و رد الكلام في وجهه و قوتل فإن لم يكن لله عناية بالسامع بأن يجعل في قلبه صفة القبول حتى يلقي بها النور الإلهي من سراج النبوة كما وصفه تعالى وَ سِرٰاجاً مُنِيراً أ لا ترى الفتيلة إذا كان رأسها يخرج منه دخان و هي غير مشتعلة فإذا سامتت بذلك الدخان السراج اشتعل ذلك الدخان بما فيه من الرطوبة و تعلق فيه النور من السراج و نزل على طريقه حتى يستقر في رأس الفتيلة التي انبعث منها ذلك الدخان إلى السراج فتشعل الفتيلة و تلحق برتبة السراج في النورية فإن كانت لها مادة دهن و هي العناية الإلهية بقيت مستنيرة ما دام الدهن يمدها و ذلك النور يذهب برطوبات ذلك الدهن الذي به بقاؤه و لم يبق معه للسراج حديث بعد أن ظهر فيه النور و بقي الإمداد من جانب الحق فلا يدري أحد ما يصل إليه فإن الأنبياء ما دعت لا نفسها الناس و إنما دعتهم إلى ربها فأي قلب اعتنى اللّٰه به و قام به حرقة الشوق إلى ذلك الدعاء مثل احتراق رأس الفتيلة ثم انبعث من هذا الشوق همة إلى ما دعاه إليه الرسول في كلامه مثل انبعاث الدخان من تلك النارية التي في رأس الفتيلة و هي قوة جاذبة فجذبت من نور النبوة و الوحي و الهداية ذلك الاشتعال الذي قام بالدخان فرجع به إلى قلب صاحبه فاهتدى و استنار كما اتقدت هذه الفتيلة ثم فارق النبي و مشى إلى أهله نورا فإن اعتنى اللّٰه به و أمده بتوفيقه ثبت له في قلبه نور الهداية بذاك الإمداد و لم يبق للرسول بعد ذلك معه شغل إلا بتعيين الأحكام إلا إن ذلك النور و هو نور الايمان مٰا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتٰابُ وَ لاَ الْإِيمٰانُ وَ لٰكِنْ جَعَلْنٰاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِنٰا قال ع عن ربه أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ و لم يقل ادعوا لي نفسي و إلى حرف موضوع للغاية فإذا أجاب المؤمن مشى إلى ربه على الطريقة التي شرع له هذا الرسول فلما وصل إلى اللّٰه تلقاه الحق تلقي إكرام و هبات و منح و عطايا فصار يدعو إلى اللّٰه على بصيرة كما دعا ذلك