الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٤٩ - إن العالم كله في غاية الجمال
«الباب الثاني و السبعون و ثلاثمائة في معرفة منزل سر و سرين و ثنائك عليك بما ليس لك و إجابة الحق إياك في ذلك
لمعنى شرفك به من حضرة محمدية»
من حاز شطر الكون في خلقه
و شطره الآخر في خلقه
فذاك عين الوقت في وقته
و بدره الطالع في أفقه
فبدره يطلع من غربه
و ضوؤه يغرب في شرقه
فكل مخلوق به هائم
و كلنا نهلك في حقه
[إن العالم كله في غاية الجمال]
ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول اللّٰه ص أنه قال إن اللّٰه جميل يحب الجمال و هو تعالى صانع العالم و أوجده على صورته فالعالم كله في غاية الجمال ما فيه شيء من القبح بل قد جمع اللّٰه له الحسن كله و الجمال فليس في الإمكان أجمل و لا أبدع و لا أحسن من العالم و لو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى فهو مثل لما أوجد لأن الحسن الإلهي و الجمال قد حازه و ظهر به فإنه كما قال تعالى أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فهو جماله إذ لو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلقه فكان قبيحا ثم هدى أي بين ذلك لنا بقوله أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
و لما رأينا الحق في صورة البشر علمنا بأن العقل فيه على خطر
فمن قيد الحق المبين بعقله و لم يطلق التقييد ما عنده خبر
إذا ما تجلى لي على مثل صورتي تجليت في التنزيه عن سائر الصور
فإن قال ما ذا قلت أنت ذكرت لي بأنك تعفو عن ظلوم إذا انتصر
و ما أنت مثلي قل فلم خرت صورتي و رؤيتى إياكم كما يبصر القمر
فإن كنت مثلي فالتماثل حاكم على كل مثل كالذي يقتضي النظر
فكل شبيه للشبيه مشاكل على كل حال في القديم و في البشر
لقد شرع اللّٰه السجود لسهونا بإرغام شيطان و جبر لما انكسر
فما لك لم تسجد و أنت إمامنا فأنت جدير بالسجود كما ذكر
أتيناك نسعى فانثنيت مهر و لا و أين خطي الاقدام من خطوة البصر
و منها أيضا
فمن فصلنا أو بمن قد وصلتنا و ما هو إلا اللّٰه بالعين و الأثر
فشكرا لما أخفى و شكرا لما بدا و حاز مزيد الخير عبد إذا شكر
و ما هو إلا الحق يشكر نفسه و لكن حجاب القرب أرسل فاستتر
فالعالم كله جماله ذاتي و حسنه عين نفسه إذ صنعه صانعه عليه و لهذا هام فيه العارفون و تحقق بمحبته المتحققون و لهذا قلنا فيه في بعض عباراتنا عنه إنه مرآة الحق فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق و هو سبحانه الجميل و الجمال محبوب لذاته و الهيبة له في قلوب الناظرين إليه ذاتية فأورث المحبة و الهيبة فإن اللّٰه ما كثر لنا الآيات في العالم و في أنفسنا إذ نحن من العالم إلا لنصرف نظرنا إليه ذكرا و فكرا و عقلا و إيمانا و علما و سمعا و بصرا و نهيا و لبا و ما خلقنا إلا لنعبده و نعرفه و ما أحالنا في ذلك على شيء إلا على النظر في العالم لجعله عين الآيات و الدلالات على العلم به مشاهدة و عقلا فإن نظرنا فإليه و إن سمعنا فمنه و إن عقلنا فعنه و إن فكرنا ففيه و إن علمنا فإياه و إن آمنا فبه فهو المتجلي في كل وجه و المطلوب من كل آية و المنظور إليه بكل عين و المعبود في كل معبود و المقصود في الغيب و الشهود لا يفقده أحد من خلقه بفطرته و جبلته فجميع العالم له مصل و إليه ساجد و بحمده مسبح فالألسنة به ناطقة و القلوب به هائمة عاشقة و الألباب فيه حائرة يروم العارفون أن يفصلوه من العالم فلا يقدرون و يرومون أن يجعلوه عين العالم فلا يتحقق لهم ذلك فهم يعجزون فتكل أفهامهم و تتحير عقولهم و تتناقض عنه في التعبير ألسنتهم فيقولون في وقت هو و في وقت ما هو و في وقت هو ما هو فلا تستقر لهم فيه قدم و لا يتضح لهم إليه طريق أمم لأنهم يشهدونه عين الآية و الطريق فتحول هذه المشاهدة