الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٦٧
«الباب الموفي أربعمائة في معرفة منازلة
من ظهر لي بطنت له و من وقف عند حدي اطلعت عليه »
ظهوري بطون الحق في كل موطن
وحدي وجود الحق في كل مطلع
فإن كان عيني في وجودي لم يكن
و إن كان لم يظهر و ضاق من اتسع
فيا خيبة الأكوان إن لم يكن بها
و يا سعدها إن كان في عينها طلع
هو البرق إلا أنه هو خلب
فما يسبحه رعد و لا مطر يقع
[إن اللّٰه هو الأول و الآخر]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك أن اللّٰه تعالى يقول عن الهوية هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و ما ثم إلا أنا و هو و كان و لم يكن ثم كنت و عند وجودي قسم الصلاة بيني و بينه نصفين و ما ثم إلا مصل كل قد علم صلاته و تسبيحه و هو السمع و البصر مني فما أسمع إلا نفسه ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ما هو أنا فإن الآلة لا حكم لها إلا بالصانع بها كما كان صانعا فيها فصنع فيها بها و بنفسه بها من حيث قبولها و بنفسه من حيث تجليه بخطابه
تعددت الأعيان و الأمر واحد و أشهدت الأكوان و اللّٰه شاهد
فما ثم إلا اللّٰه ما ثم غيره أقر بتوحيد ما هو جاحد
فإذا ظهرت بعيني في اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ بطن تعالى في خطابي و سمع إيماني و قال أثنى على عبدي فسمى آخريته عبدا و في الجواب هو الرب فالأولية ردها إلي فإنه لم يقل حتى قلت كما أني لم أوجد حتى قال كن فكنت أول سامع و كان أول قائل ثم كنت أول قائل و كان أول سامع فتعين الباطن و الظاهر وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بي و بنفسه و ما ظهر إلا بي و ما بطن إلا بي و ما صحت الأولية إلا بي و ما ثبتت الآخرية إلا بي فإنا كل شيء فهو بي عليم فلو لم أكن بمن كان يكون عالما فأنا أعطيته العلم و هو أعطاني و الوجود فارتبطت الأمور بيني و بينه و قد اعترف لي بذلك في تقسيمه الصلاة بيني و بينه على السواء لأنه علم أنه لي كما أنه له فلا بد مني و منه فلا بد من واجب و ممكن و لو لم يكن كذلك لكان عاطلا غير حال فإنا زينته فهو أرضي إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فظهر بي اقتداره و نفوذ أحكامه و سلطان مشيئته فلو لم أكن لم تكن زينته ثم قلب الأمر فجعلني أرضا و كان زينة لي و قلدني الإمامة فلم أجد على من أكون إماما إلا عليه و عين إمامتي ما زينتي به و ما زينتي إلا بهويته فهو سمعي و بصري و لساني و يدي و رجلي و مؤيدي و جعلني نورا كلي فزينني به له وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا و هو نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ و ذكر أن الأرض ذلول و هل ثم أذل مني و أنا تحت عزته و لما خلق الخلق و عرفني بما خلق قال لي اجعل بالك و تفرج في صنعي بخلقي فكلف و أنا أنظر إلى ما يريد إظهاره مما لا علم لي به فحد الحدود فتجاوزتها العبيد و قال فلم يسمع له مقال و أمر فلم يمتثل أمره ابتداء و نهي فلم يمتثل له نهي ابتداء و قال فاعترض كيف تجعل فيها من يفسد فيها فجعلوا نظرهم أصلح من نظره و علمهم أتم من علمه فقال لي أنت قلت إنك ذلول و لا ذلة أعظم من ذلتك و أي ذلة أعظم من ذلة من أذلة الذليل هذا الملك يعترض هذا الخليفة وليته و نهيته فعصى هذا اللعين أمرته بالسجود فأبى و ادعى الخيرية على من هو خير منه فهل رأيت بعينك إلا من اعترف بعظمتي و نفوذ اقتداري و مع ذلك خالفني و اعترض علي و تعدى حدي فلو كانت عزتي و عظمتي حالا لهم زينتهم بها ما وقع شيء من ذلك فهم أرض مرداء جرداء لا نبات فيها فلا زينة عليها فعلمت أنه متى أتيت علي فزينتهم بي فرأيتني زينتي فعظموني و ما عظمني إلا زينتي فقال المعترض لا علم لنا و قال من نهيته ربنا ظلمنا أنفسنا و قال من خالف أمري إِنِّي أَخٰافُ اللّٰهَ رَبَّ الْعٰالَمِينَ فأين هذا المقام من ذلك و أين دار رضوان من دار مالك ف إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فمن العزيز و من الذليل فلو لا ما اطلع على من تجاوز الحدود و الرسوم ما رجعوا إلى حدودهم فإن الاطلاع ما يكون إلا من رفيع و هو رَفِيعُ الدَّرَجٰاتِ فخافوا فاعترفوا كما قلنا بجهالتهم و ظلمهم أنفسهم و خوفهم من تعدى حدود سيدهم فقال يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ و تجاوزوا حدود سيدهم لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ فإن اللّٰه للرحمة خلقهم و لهذا تسمى بالرحمن و استوى به على العرش و أرسل أكمل الرسل و أجلهم قدرا و أعمهم رسالة رحمة للعالمين و لم يخص عالما من عالم فدخل المطيع و العاصي و المؤمن و المكذب و الموحد و المشرك في هذا الخطاب الذي هو مسمى العالم و
لما أعطاه ص