الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٤٦ - أن العالم عبارة عن كل ما سوى اللّٰه
الراكعات و الساجدات كما قال تعالى إخبارا عنهم وَ مٰا مِنّٰا إِلاّٰ لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ فهم عمار السموات و جعل منهم الأرواح المطهرات المعتكفين بأشرف الحضرات و جعل منهم الملائكة المسخرات و الوكلاء على ما يخلقه اللّٰه من التكوينات فوكل بالأرجاء الزاجرات و بالأنباء المرسلات و بالإلهام و اللمات الملقيات و بالتفصيل و التصوير و الترتيب المقسمات و بالترغيب و الترحيب الناشرات و بالترهيب الناشطات و بالتشتيت النازعات و بالسوق السابحات و بالاعتناء السابقات و بالأحكام المدبرات ثم أدار في جوف هذا الفلك كرة الأثير أودع فيها رجوع المسترقات الطارقات ثم جعل دونه كرة الهواء أجرى فيه الذاريات العاصفات السابقات الحاملات المعصرات و موج فيه البحور الزاخرات الكائنات من البخارات المستحيلات يسمى دائرة كرة الزمهرير تتعلم منه صناعة التقطيرات و أمسك في هذه الكرة أرواح الأجسام الطائرات و أظهر في هاتين الكرتين الرعود القاصفات و البروق الخاطفات و الصواعق المهلكات و الأحجار القاتلات و الجبال الشامخات و الأرواح الناريات الصاعدات النازلات و المياه الجامدات ثم أدار في جوف هذه الكرة كرة أودع فيها سبحانه ما أخبرنا به في الآيات البينات من أسرار إحياء الموات و أجرى فيها الأعلام الجاريات و أسكنها الحيوانات الصامتات ثم أدار في جوفها كرة أخرى أودع فيه ضروب التكوينات من المعادن و النباتات و الحيوانات فأما المعادن فجعلها عز و جل ثلاث طبقات منها المائيات و الترابيات و الحجريات و كذلك النبات منها النابتات و المغروسات و المزروعات و كذلك الحيوانات منها المولدات المرضعات و الحاضنات و المعفنات ثم كون الإنسان مضاهيا لجميع ما ذكرناه من المحدثات ثم وهبه معالم الأسماء و الصفات فمهدت له هذه المخلوقات المعجزات و لهذا كان آخر الموجودات فمن روحانيته صح له سر الأولية في البدايات و من جسميته صح له الآخرية في الغايات فبه بديء الأمر و ختم إظهارا للعنايات و أقامه خليفة في الأرض لأن فيها ما في السموات و أيده بالآيات و العلامات و الدلالات و المعجزات و اختصه بأصناف الكرامات و نصب به القضايا المشروعات ليميز اللّٰه به الخبيثات من الطيبات فيلحق الخبيث بالشقاوات في الدركات و يلحق الطيب بالسعادات في الدرجات كما سبق في القبضتين اللتين هما صفتان للذات فسبحان مبدئ هذه الآيات و ناصب هذه الدلالات على أنه واحد قهار الأرض و السموات فهذا ترتيب نضد العالم على طريق خاص لبعض النظار انفرد به و سنذكر بعد القصيدة التي أذكرها بعد هذا ما وافقونا فيه و أما نظمنا فيه أيضا على طريقة أخرى في الوضع الأول فاعلم و هذه هي القصيدة
الحمد لله الذي بوجوده ظهر الوجود و عالم الهيمان
و العنصر الأعلى الذي بوجوده ظهرت ذوات عوالم الإمكان
من غير ترتيب فلا متقدم فيه و لا متأخر بالآن
حتى إذا شاء المهيمن إن يرى ما كان معلوما من الأكوان
فتح القدير عوالم الديوان بوجود روح ثم روح ثاني
ثم الهباء كذا الهيولى ثم جسم قابل لعوالم الأفلاك و الأركان
فأداره فلكا عظيما و اسمه العرش الكريم و مستوي الرحمن
يتلوه كرسي انقسام كلامه فتلوح من أقسامه القدمان
من بعده فلك البروج و بعده فلك الكواكب مصدر الأزمان
ثم النزول مع الخلأ لمركز ليقيم فيه قواعد البنيان
فأدار أرضا ثم ماء فوقه كرة الهواء و عنصر النيران
من فوقه فلك الهلال و فوقه فلك يضاف لكاتب الديوان
من فوقه فلك لزهرة فوقه فلك الغزالة مصدر الملوان
من فوقه المريخ ثم المشتري ثم الذي يعزي إلى كيوان