الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨٩ - أن الأجسام نواويس الأرواح
و الحق التوحيد و الايمان به فمن حصل له هذا اليقين قبل الاحتضار فمقطوع بسعادته و اتصالها فإن اليقين عن النظر الصحيح و الكشف الصريح يمنعه من العدول عن الحق فهو على بينة من الأمر و بصيرة و من حصل له هذا اليقين عند الاحتضار فهو في المشيئة و إن كان المال إلى السعادة و لكن بعد ارتكاب شدائد في حق من أخذ بذنوبه و لا يكون الاحتضار إلا بعد أن يشهد الأمر الذي ينتقل إليه الخلق و ما لم يشاهد ذلك فما حضره الموت و لا يكون ذلك احتضارا فمن آمن قبل ذلك الاحتضار بنفس واحد أو تاب نفعه ذلك الايمان و المتاب عند اللّٰه في الدار الآخرة و حاله عند قبض روحه حال من لا ذنب له و سواء رده لذلك شدة ألم و مرض أوجب له قطع ما يرجوه من الحياة الدنيا أو غيره فهو مؤمن تائب ينفعه ذلك فإنه غير محتضر فما آمن و لا تاب إلا لخميرة كانت في باطنه و قلبه لا يشعر بها فما مال إلى ما مال إليه إلا عن أمر كان عليه في نفسه لم يظهر له حكم على ظاهره و لا له في نفسه إلا في ذلك الزمن الفرد الذي جاء في الزمان الذي يليه الاحتضار الذي يوجب له الايمان المحصل في المشيئة
فكم بين محكوم له بسعادة و ما بين من تقضي عليه مشيئته
فذلك تخليص عزيز مقدس و ذاك على حال أرته حقيقته
فلولاه ما بانت عليه طريقته و لا شهدت يوما عليه خليقته
[إن اللّٰه جعل في الكون قيامتين قيامة صغرى و قيامة كبرى]
فإذا انتقل العبد من الحياة الدنيا إلى حياة العرض الأكبر فإن اللّٰه عز و جل قد جعل في الكون قيامتين قيامة صغرى و قيامة كبرى فالقيامة الصغرى انتقال العبد من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ في الجسد الممثل و هو
قوله ص من مات فقد قامت قيامته و من كان من أهل الرؤية فإنه يرى ربه
فإن رسول اللّٰه ص يقول لما حذر أمته الدجال إن اللّٰه لا يراه أحد حتى يموت و القيامة الكبرى هي قيامة البعث و الحشر الأعظم الذي يجمع الناس فيه و هو في القيامة الكبرى أعني الإنسان ما بين مسئول و محاسب و مناقش في حسابه و غير مناقش و هو الحساب اليسير و هو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة و المناقشة السؤال عن العلل في الأعمال فالسؤال عام في الجميع حتى في الرسل كما قال يَوْمَ يَجْمَعُ اللّٰهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مٰا ذٰا أُجِبْتُمْ فالسؤال على نوعين سؤال على تقرير النعم على طريق مباسطة الحق للمسئول فهو ملتذ بالسؤال و سؤال على طريق التوبيخ أيضا لتقرير النعم فهو في شدة
فقال ص لأصحابه و قد أكلوا تمرا و ماء عن جوع إنكم لتسألون عن نعيم هذا اليوم و هذا السؤال موجه للإنذار و البشارة في قوم مخصوصين و هم أهل ذلك المجلس و هو تنبيه بما هو عليه الأمر في حق الجميع فما خلق اللّٰه العالم بعد هذا التقرير إلا للسعادة بالذات و وقع الشقاء في حق من وقع به بحكم العرض لأن الخير المحض الذي لا شر فيه هو وجود الحق الذي أعطى الوجود للعالم لا يصدر عنه إلا المناسب و هو الخير خاصة فلهذا كان للعالم الخير بالذات و لكون العالم كان الحكم عليه بالإمكان لاتصافه بأحد الطرفين على البدل فلم يكن في رتبة الواجب الوجود لذاته عرض له من الشر الذي هو عدم نيل الغرض و ملاءمة الطبع ما عرض لأن إمكانه لا يحول بينه و بين العدم فبهذا القدر ظهر الشر في العالم فما ظهر إلا من جهة الممكن لا من جانب الحق و لذلك
قال رسول اللّٰه ص لله في دعائه ص و الخير كله في يديك و الشر ليس إليك و إنما هو إلى الخلق من حيث إمكانه
فلذات الحق نحن السعدا و لا مكان الورى كان الشقا
و لقاء الحق حق واجب فأبشروا بكل خير في اللقا
فلنا منا فناء و بقاء و لنا منه وجود و لقا
فهو خير ما له ضد يرى فإذا ما الخير بالخير التقى
كان خيرا كل ما كان به مذهب الشر و أسباب التقا
[أن الأجسام نواويس الأرواح]
و اعلم أن الأجسام نواويس الأرواح و مذاقتها و هي التي حجبتها إن تشهد و تشهد فلا ترى و لا ترى إلا بمفارقة هذه الضرائح فناء عنها لا انفصالا فإذا فنيت عن شهودها و هي ذات بصر شهدت موجدها بشهودها نفسها فمن عرف نفسه