الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢١ - إن الظاهر و الباطن اقتضى أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي و خفي
إجابته بالحال فيكون الجواب مطابقا للسؤال و فيه علم وضع من ارتفع بنفسه و انحطاط من تطاول فوق قدره و فيه علم فائدة الموعظة و لو كفر بها فإن لها أثرا في الباطن عند السامع و إن لم يظهر ذلك فإنه يحس به من نفسه و فيه علم من أراد كيدا فصادف حقا فهو عنده كذب ثم أسفرت العاقبة إنه صدق في نفس الأمر و لكن لا علم له بذلك و فيه علم الأوقات و ما تعامل به عقلا و شرعا عند السليم الفكر و فيه علم تعيين مكارم الأخلاق و فيه علم أن العلم بما لا يعلم أنه لا يعلم علم وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الستون و ثلاثمائة في معرفة منزل أسرار اتصلت في حضرة الرحمة بمن خفي مقامه
و حاله على الأكوان و هو من الحضرة المحمدية»
مرتبة الخمسة معروفة
تحفظ ما جاوزها من عدد
تحفظ ذكر اللّٰه من رحمة
قامت بها ليس لها مستند
سوى الذي يحفظ أعياننا
و هو الإله المتعالي الصمد
جميع ما في الكون من خلقه
له إذا يدعوه عبدي سجد
لولاه لم نوجد بأعياننا
مع كونه سبحانه لم يلد
فهو مع الكثرة في حكمه
لم تنتف عنه صفات الأحد
لو لا وجود الكثر في حكمه
لما بدا منه وجود العدد
فهو وحيد العين في ملكه
و حكمه في كونه مستند
لما حملناه على كوننا
من نفسنا من فضله ما عبد
عز فما يدركه غيره
و جل أن يبقى بحكم المدد
سبحانه من ملك قاهر
قد قهر الكل و أهل العدد
ليس على غير من أكوانه
لكل من يعرفه معتمد
من أزل صح له حكمنا
كذاك أيضا حكمه في الأبد
[إن الظاهر و الباطن اقتضى أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي و خفي]
اعلم أيدنا اللّٰه و إياك بروح منه أن اللّٰه لما سمي نفسه بالظاهر و الباطن اقتضى ذلك أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي و خفي فما جلاه لنا فهو الجلي و ما ستره عنا فهو الخفي و كل ذلك له تعالى جلي
قال رسول اللّٰه ص في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك و هو الجلي عند من علمه اللّٰه إياه و الخفي عمن لم يعلمه
ثم قال أو استأثرت به في علم غيبك فهذا خفي عما سوى اللّٰه فلا يعلمه إلا اللّٰه فإنه تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ و هو ما بينه و بين خلقه وَ أَخْفىٰ و هو ما لا يعلمه إلا هو مثل مفاتح الغيب التي عنده لاٰ يَعْلَمُهٰا إِلاّٰ هُوَ فهو عٰالِمُ الْغَيْبِ و هو الخفي وَ الشَّهٰادَةِ و هو الجلي و ما أوجده من الممكنات و هو الجلي أيضا و ما لم يوجده منها و هو الخفي أيضا و لا يخلو العالم من هاتين النسبتين دنيا و لا آخرة فالمزيد الواقع من العالم في العالم فهو من الخفي و المزيد لا يزال فالعالم مزيد خارج من الخفاء إلى الجلاء لا يزال فالجلي من سؤال السائلين إنما يسمعه الحق من الاسم الظاهر و الخفي منه يسمعه من الاسم الباطن فإذا أعطاه ما سأل فالاسم الباطن يعطيه للظاهر و الظاهر يعطيه للسائل فالظاهر حاجب الباطن و الجلي حاجب الخفي كما إن الشعور حاجب العلم و اعلم أن اللّٰه عز و جل يعامل عباده بما يعاملونه به فكأنه تعالى بحكم التبعية لهم و إن كان ابتداء الأمر منه و لكن هكذا علمنا و قرر لدينا فإنا لا ننسب إليه إلا ما نسبه إلى نفسه و لا يتمكن لنا إلا ذلك فمن حكم تبعية الحق تعالى للمخلوق قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ و
قوله ص في الصحيح إن اللّٰه لا يمل حتى تملوا و قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و
قوله سبحانه من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
فلا يكون العبد في حالة
إلا يكون الحق في مثلها