الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢١ - علم القوة و هو الرمي بالقوس
اللّٰه
[أرفع المنازل عند الله]
و اعلم أن هذه الصفة التي نبهتك عليها أعطتنا حالا و مشاهدة من حضرة القدس فهي مقرها و لا يتصف بها إلا من له عند اللّٰه أرفع المنازل فإن كان رسولا فارفع المنازل في الرسالة و إن كان نبيا فارفع المنازل في النبوة و إن كان وليا فارفع المنازل في الولاية و إن كان مؤمنا فارفع المنازل في الايمان و إن كان نصرانيا أو مجوسيا أو يهوديا أو معطلا فهو في أرفع المنازل بها في صنفه و في مقامه
أن الكبير من الرجال هو الذي لا يدعيه مقيدا و مسودا
و مهودا و منصرا و ممجسا و معطلا و مشركا و موحدا
و منزها و مشبها و محيزا و ممكنا و مروحنا و مجسدا
عمت صفات جلاله و جماله كل الأنام و كان حتى يقصدا
إن الغيور هو الذي لا ينثني عن نفسه حال الضلالة و الهدى
و أن المحل الذي تقوم به هذه الصفة لا بد لصاحبها إن كان على أي ملة كان أو نحلة أن يرجع إلى دين الهدى و يسلم و يؤمن و يبادر إلى مكارم الأخلاق عن كشف محقق و علم صحيح فيكون أكمل الناس إيمانا و أعظمهم منزلة عند اللّٰه عارفا بمنازل الرسل و الأنبياء ع و فضل بعضهم على بعض و الأولياء و المؤمنين فإن الصفة التي قادته إلى الإسلام أعظم الصفات عند اللّٰه قدرا في حق العبد فتنزله المنازل العلية و ترفعه في عليين و يتلقاه من الملائكة كل ملك كريم على اللّٰه محسن في عبادة ربه هو الذي ينزل إلى هذا العبد من عند اللّٰه للمناسبة التي بين هذا الملك و بينه فيأخذ بيده فيرفعه إلى منزل هذه الصفة في عليين فلا يكون في صنفه أعلى منه منزلة إلا من عمل بعمله فإنه في درجته و معه و يكفي هذا القدر من هذا المنزل و أما ما يحوي عليه من المسائل و العلوم فعلم كفران النعم و تفاصيل الكفر و أين ينتهي كل كفر بصاحبه مثل كفر الآبق و تارك الصلاة و الكافر ببعض ما أنزل اللّٰه و علم البدو و علم وضع الشرائع و علم البرازخ و علم البعث و علم أقوات الأرض و أمر السموات و ما يتولد بين السماء و الأرض و بين توجهات الحق و الكون و بين كل زوجين و علم الإنسان و الحيوان و علم الساعة و لم سميت ساعة و هل هي في كل لسان بهذا المعنى المفهوم من اسم الساعة أم لا و هل للساعة صورة لها إدراك سمع و بصر و تميز أم لا و علم الصفات المقومة لكل مرتبة حتى يمتاز بها أهلها و علم الكتابين اللذين خرج بهما رسول اللّٰه ص في يديه على أصحابه
فقال ص إن في الكتاب الواحد أسماء أهل الجنة و أسماء آبائهم و قبائلهم و عشائرهم و في الكتاب الآخر أسماء أهل النار و أسماء آبائهم و قبائلهم و عشائرهم مع صغر حجم الكتابين و كثرة الأسماء فيعلم من ذلك إيراد الكبير على الصغير من غير تصغير الكبير أو تكبير الصغير و إلا فأي ديوان يحصر أسماء هؤلاء و يعلم أن الأمر الذي يحيله العقل لا يستحيل نسبة إلهية فتعلم أن اللّٰه قادر على المحال العقلي كإدخال الجمل في سم الخياط مع بقاء هذا على صغره و هذا على كبره و يشاهد من هذا المنزل المقام الذي وراء طور العقل من حيث ما يستقل بإدراكه من كونه مفكرا و إلا فعقل الأنبياء ع و الأولياء قبل هذا الأمر من كونه قابلا لا من كونه ما ذكرناه فللعقول حد تقف عنده و ليس لله حد يقف عنده بل هو خالق الحدود فلا حد له سبحانه فهو القادر على الإطلاق وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و ثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال من الحضرة المحمدية»
حقائق الحق بالأسماء و الحال
تقلب الكون من حال إلى حال
و ليس يدري به إلا القلوب و ما
للعقل فيه مجال دون إملال
يخالف العقل تقليب الوجود فما
للعقل شيء سوى قيد و أغلال
فالعقل يشهد ذاتا لا انتقال لها
عنها و قلبك في تقليب أحوال
إن المظاهر تقليب الإله لنا
في نفسه و هو عندي عين إضلال
[علم القوة و هو الرمي بالقوس]
اعلم وفقك اللّٰه أن هذا المنزل يحوي على علوم كثيرة منها علم القوة و هو الرمي بالقوس و الدخول فيه و عقد الأصابع على