الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨٧ - «الوصل الثاني عشر من خزائن الجود»و هو الإهمال الإلهي
ما يملأ الكون غير من قد
جاد على الخلق بالوجود
و ذلك الحق لا سواه
ما رتبة الرب كالعبيد
من علم الحق علم ذوق
لم يدر ما لذة السجود
فنار جهنم لها نضج الجلود و حرق الأجسام و نار اللّٰه نار ممثلة مجسدة لأنها نتائج أعمال معنوية باطنة و نار جهنم نتائج أعمال حسية ظاهرة ليجمع لمن هذه صفته بين العذابين كما فعل بأهل الجزية في إعطائها عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ فعذبهم بعذاب إخراج المال من أيديهم و بين الصغار و القهر الذي هو عذاب نفوسهم مما يجدون في ذلك من الحرج أ لا ترى المنافق فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ فهو في نار اللّٰه لما كان عليه من إصرار الكفر و ما له في الدرك الأول مقعد لما أتى به من الأعمال الظاهرة بخلاف الكافر فإن له من جهنم أعلاها و أسفلها فما عنده من يعصمه من نار اللّٰه و لا من نار جهنم و أما حكم الذي جحدها و استيقن الحق و اعتقده فإنه على ضد أو عكس عذاب المنافق فإنه عالم بالحق يتحقق به في نفسه و لم يظهر ذلك على ظاهر نشأته فأظهر خلاف ما أضمر و النار إنما تطلب من الإنسان من لم تظهر عليه صورة حق من ظاهر و باطن فالعلم للباطن كالعمل للظاهر و الجهل للباطن كترك الواجب للظاهر و هنا يتبين للإنسان مراتب و أسباب المؤاخذات الإلهية لعباده في الدار الآخرة فإذا استوفيت الحدود عمت الرحمة من خزانة الجود و هو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ ... خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ الآية و هذا هو الحد الزماني لأن التبديل لا بد أن يقع بالسموات و الأرض فتنتهي المدة عند ذلك و هو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل لأنه غير مخاطب ببقاء السموات و الأرض قبل التكليف و هذا في حق السعيد و الشقي فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة فإذا انتهت انتهى نعيم الجزاء الوفاق و عذاب الجزاء و انتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية التي لم يربطها اللّٰه بالأعمال و لا خصها بقوم دون قوم و هو عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ما له مدة ينتهي بانتهائها كما انتهى الكفر و الايمان هنا بانتهاء عمر المكلف و انتهت إقامة الحدود في الأشقياء و النعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السموات و الأرض إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ في حق الأشقياء إِنَّ رَبَّكَ فَعّٰالٌ لِمٰا يُرِيدُ و كذا وقع الأمر بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية و ما قال تعالى في الأشقياء عذابا غير مجذوذ كما قال تعالى في السعداء فعلمنا بذكر مدة السماء و الأرض و حكم الإرادة في الأشقياء و الإعراض عن ذكر العذاب إن للشقاء مدة ينتهي إليها حكمه و ينقطع عن الأشقياء بانقطاعها و أن جزاء السعيد على مثل ذلك ثم تعم المنن و الرضي الإلهي على الجميع في أي منزل كانوا فإن النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج و غرض النفوس لا أثر للامكنة في ذلك فحيثما وجد ملاءمة الطبع و نيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه فاعلم ذلك و متعلق الاستثناء معلوم في الطائفتين لما كان عليه الكافر من نعيم الحياة الدنيا من نيل أغراضه و صحة بدنه و لما كان عليه المؤمن من عدم نيل أغراضه و أمراضه في الدنيا كل ذلك من زمان تكليف كل واحد من الطائفتين وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الوصل الثاني عشر من خزائن الجود»و هو الإهمال الإلهي
فلا يدري صاحبه ما له فإن كل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أمهله اللّٰه و ما أخذه و هو تحت حكم سلطان الاسم الحليم فهو كالمهمل فلا يدري هل تسبق له العناية بالمغفرة و العفو قبل إقامة الحد الإلهي عليه بالحكم أو يؤخذ فيقام عليه حدود جناياته إلى أجل معلوم و لما كان هذا الاحتمال يسوغ فيمن أمهله اللّٰه كانت صورة صاحب هذا الوصف صورة المهمل فإن الإهمال من جانب الحق ما يصح فإنه في علم اللّٰه السابق إما مغفور له و إما مؤاخذ بما جنى على نفسه فهو على خطر و على غير علم بما سبق له في الكتاب الماضي الحكم فإن الحكم يحكم على الحاكم العادل كما يحكم على المحكوم عليه فأما بالأخذ و إما بالعفو في الشخص الذي هو على نعت و حال يوجب له أحد الأمرين مما ذكرناه و ليس إلا من أمهله اللّٰه فلم يؤاخذه في وقت المخالفة و كفى بالترقب للعارف العاصي الممهل الذي هو في صورة المهمل عذابا في حقه لأنه لا يدري ما عاقبة الأمر فيه و ما من طائفة إلا و هي تحت ناموس شرعي حكمي أو وضع حكمي فلا تخلو أمة من مخالفة تقع منها لناموسها كان