الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٢ - إن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم
فقد نصحتك و أبلغت لك في النصيحة فلا تطلب مشاهدة الحق إلا في مرآة نبيك ص و احذر أن تشهده في مرآتك أو تشهد النبي و ما تجلى في مرآته من الحق في مرآتك فإنه ينزل بك ذلك عن الدرجة العالية فالزم الاقتداء و الاتباع و لا تطأ مكانا لا ترى فيه قدم نبيك فضع قدمك على قدمه إن أردت أن تكون من أهل الدرجات العلى و الشهود الكامل في المكانة الزلفى و قد أبلغت لك في النصيحة كما أمرت وَ اللّٰهُ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ و في هذا المنزل من العلوم علم مرتبة الحسبان و الظنون و علم التقرير الإلهي و فيه علم الأسرار الخفية عن أكثر الناس و فيه علم الأفراد و فيه علم الملاحم و فيه علم المسابقة و أين حلبة المسابقة التي بين اللّٰه و بين عباده و هو علم شريف فيه من الرحمة الإلهية ما لا يصفه واصف و فيه علم الرد على من يقول بإنفاذ الوعيد و شمول الرحمة للجميع و ذلك أن الإنسان إذا عصى فقد تعرض للانتقام و البلاء و أنه جار في شأو الانتقام بما وقع منه و إن اللّٰه يسابقه في هذه الحلبة من حيث ما هو غفار و عفو و متجاوز و رحيم و رءوف فالعبد يسابق بالمعاصي و السيئات الحق تعالى إلى الانتقام و الحق أسبق فيسبق إلى الانتقام قبل وصول العبد بالسيئات إليه فيجوزه بالغفار و أخواته من الأسماء فإذا وصل العبد إلى آخر الشأو في هذه الحلبة وجد الانتقام قد جازه الغفار و حال بينه و بين العصاة و هم كانوا يحكمون على أنهم يصلون إليه قبل هذا و هو قوله تعالى في العنكبوت أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا أي يسبقون بسيئاتهم مغفرتي و شمول رحمتي سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ بل السبق لله بالرحمة لهم هذا غاية الكرم و هذا لا يكون إلا في الطائفة التي تقول بإنفاذ الوعيد فيمن يموت على غير توبة فإذا مات العاصي تلقته رحمة اللّٰه في الموطن الذي يشاء اللّٰه أن تلقاه فيه و فيه علم
قول النبي ص من أحب لقاء اللّٰه أحب اللّٰه لقاءه و من كره لقاء اللّٰه كره اللّٰه لقاءه و لم يقل لم يلقه فما كره اللّٰه إلا لقاءه الذي كره و هو أن يلقاه آخذا له على جريمته و منتقما فكره اللّٰه أن يلقاه بما كره هذا المسيء فلقيه تعالى بالمغفرة و الرضوان لأنه علم أنه ما كره لقاء اللّٰه مع كونه مؤمنا بلقائه إلا لما هو عليه من المخالفة فكره اللّٰه لقاءه بما تستحقه المخالفة من العقوبة فلقيه بالعفو و المغفرة و فيه علم ما تستحقه الذات لنفسها لا من حيث اتصافها بأنها إله و فيه علم إن رد الأمور كلها و إن كانت لله فإن اللّٰه بعد وقوفه عليها يردها بما شاء على عباده و فيه علم إرسال الستور بين النفوس المؤمنة و بين المخالفات و من خالف منهم أرسلت الستور بينه و بين العقوبات و فيه علم معاملة اللّٰه عباده بما يوافق أغراضهم و فيه علم منزلة الأسباب الموضوعة في العالم التي لها الآثار فيه و فيه علم ما تدعوه إليه الأسباب و ما ينبغي أن يجيب منها و ما ينبغي أن لا يجيب و فيه علم إلحاق الأباعد بالأداني و الأسافل بالأعالي في التحام ذلك و فيه علم جهل من يساوي بين الحق و الخلق و من جهل مراتب العالم عند اللّٰه و فيه علم التفسير و التمييز و فيه علم ما يعود على العامل من عمله و ما لا يعود و فيه علم أعمار الأشياء و هو بقاء الشيء إلى زمان فساد صورته التي بزوالها يزول عنه الاسم الذي كان يستحقه جمادا كان أو نباتا أو حيوانا و فيه علم الأخذ الإلهي بالأسباب الكونية و أن كل مأخوذ به جند من جنود اللّٰه و فيه علم كون العالم آيات بعضه لبعض و فيه علم النصائح من المؤمنين و غير المؤمنين و فيه علم بيان العلم بالأدلة و فيه علم ما تمس الحاجة إليه في كل وقت و فيه علم الاعتبار و فيه علم الإرادة و المشيئة و فيه علم من ينبغي أن يعتمد عليه في الأمور و من لا يعتمد عليه فيها و فيه علم من أراد بأخيه المؤمن سوء عاد عليه و هو سار في كل جنس من الأمم و فيه علم من استعجل صفة ما يكون في يوم القيامة هنا و ما حكمه عند اللّٰه و فيه علم الهجرة و المهاجر و فيه علم الوهب من غير الوهب و فيه علم ما أدى الجاهل مع علمه إن يقول إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ السَّمٰاءِ أَوِ ائْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ و أمثال هذا مثل قوله اِئْتِنٰا بِعَذٰابِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ فانظر في هذا الخبر الإلهي فإنه مبالغة منهم في التكذيب إذ لو احتمل عندهم صدق الرسول ما قالوا مثل هذا القول فإن النفوس قد جبلت على جلب المنافع لها و دفع المضار عنها و فيه علم الرفق بالأمم و الدعاء عليهم من أنبيائهم و فيه علم العلم بالدار الآخرة و الزمان الآخر و لما ذا يرجع و ما ثم شمس تطلع و لا ليل يقبل و فيه علم تنوع الأسباب و فيه علم مراتب من اتخذ من الآلهة دون اللّٰه و فيه علم فصل العلماء و الحكماء الإلهيين و فيه علم ما ينبغي للمؤمن أن يثابر عليه و فيه علم الصنعة و الصانع و فيه علم التنازع في الحديث و مراتب المتنازعين و فيه علم المجمل من المحكم