الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٥١ - إن العالم كله في غاية الجمال
أهل اللّٰه إذا أدرج نور عقله في نور إيمانه صوب رأى المنزهة إذ ما تعدت ما كشفته لهم أنوارها و صوب رأى المشبهة إذ ما تعدت ظاهر ما أعطاها نور إيمانها بما ضرب اللّٰه لها من المثل فعرفه الكامل عقلا و إيمانا فحاز درجة الكمال كما حاز الخيال درجة الحس و المعنى فلطف المحسوس و كثف المعنى فكان له الاقتدار التام و لذلك قال يعقوب لابنه لاٰ تَقْصُصْ رُؤْيٰاكَ عَلىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً لما علم من علمهم بتأويل ما مثل الحق له في رؤياه إذ ما كان ما رآه و ما مثل له إلا عين إخوته و أبويه فأنشأ الخيال صور الأخوة كواكب و صور الأبوين شمسا و قمرا و كلهم لحم و دم و عروق و أعصاب فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك و من ظلمة هذا الهيكل إلى نور هذا الكوكب فقد لطف الكثيف ثم عمد إلى مرتبة التقدم و علو المنزلة و المعاني المجردة فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها و الرؤيا واحدة فلو لا قوة هذه الحضرة ما جرى ما جرى و لو لا أنها في الوسط ما حكمت على الطرفين فإن الوسط حاكم على الطرفين لأنه حد لهما كما إن الآن عين الماضي و المستقبل كما إن الإنسان الكامل جعل اللّٰه رتبته وسطا بين كينونته مستويا على عرشه و بين كينونته في قلبه الذي وسعه فله نظر إليه في قلبه فيرى أنه نقطة الدائرة و له نظر إليه في استواءه على عرشه فيرى أنه محيط الدائرة فهو بكل شيء محيط فلا يظهر خط من النقطة إلا و نهايته إلى المحيط و لا يظهر خط من المحيط من داخله إلا و نهايته إلى النقطة و ليست الخطوط سوى العالم فإنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و الكل في قبضته وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فالخلاء ما فرض بين النقطة و المحيط و هو الذي عمر العالم بعينه و كونه و فيه ظهرت الاستحالات من نقطة إلى محيط و من محيط إلى نقطة فما خرج عنه عز و جل شيء و لا ثم شيء خارج عن المحيط فيدخل في إحاطته بل الكل منه انبعث و إليه ينتهي و منه بدأ و إليه يعود فمحيطه أسماؤه و نقطته ذاته فلهذا هو الواحد العدد و الواحد الكثير فما كل عين له ناظر إلا عين الإنسان و لو لا الإنسان العين ما نظرت عين الإنسان فبالإنسان نظر الإنسان فبالحق ظهر الحق
فقلنا فيه حق و قلنا فيه خلق
و قلنا فيه در و قلنا فيه حق
فهو الملك و الملك و هو الفلك و الفلك
فإذا ما هويته قال للحب هيت لك
أي حسنت هيأتي إذ هيت لك إذ لو لا حسن العالم ما علم حسن القديم و لا جماله و لو لا جمال الحق ما ظهر في العالم جمال فالأمر دوري و به دار الفلك فدوران الفلك سعيه و ما برح من مكانه فهو بكليته المنتقل الذي لم يفارق مكانه تنبيها من اللّٰه لعباده أو ضرب مثل أن الحق و إن أوجد العالم و وصف نفسه بما وصف ما زال في منزلة تنزيهه و تمييزه عن خالقه بذاته مع معينه بكل خلق من خلقه بخلاف الخطوط فإنها متحركة من الوسط و إلى الوسط فهي مفارقة و قاطعة منازل و حركة الوسط لم تفارق منزلتها و لا تحركت في غيرها و هي أعجوبة المسائل التي حار فيها المجيب و السائل
ألا أيها الفلك الدائر لمن أنت في سيركم سائر
إلينا فنحن بأحشائكم إليه فسيركم بائر
تعالى عن الحد في نفسه و قال هو الباطن الظاهر
تدور علينا بأنفاسنا و أنت لنا الحكم القاهر
فشغلك بي شغل شاغل و أنت إذا ما انقضى خاسر
فإن كنت في ذاك عن أمره فأنت به الرابح التاجر
و من فوقكم ثم من [١]فوقه إله لرتقكم فاطر
تعين بالفتق في رتقكم فعقلك في صنعه حائر
لذاك تدور و ما تبرحن بمثواك و المقبل الغابر
فقف فأبى الجبر إلا السري و قال أنا الكاسر الجابر
سترت عيون النهي فانثنت و قد علمت أنني الساتر
فسبحان من حكمه حكمة و من عينه الوارد الصادر
[١] الضمير في فوقه يعود على الفوق الأول اه من خط المصنف