الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٣٨ - الزيادة عبارة عن ما لم يخطر بالبال
أ لا تراهم يقولون في الكبرياء و العظمة و الغني و العزة إنها صفات تنزيه أي هو منزه عندهم عن نقيضها و ليس الأمر عند المحققين كما قالوه و إنما هو منزه عن قيام الكبرياء به بحيث أن يكون محلا له بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له و هو السموات و الأرض فقال وَ لَهُ الْكِبْرِيٰاءُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ و هو أي هوية الحق العزيز أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السموات و الأرض له محل و ليس إلا الكبرياء فما كبر إلا في نفس العالم و هو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو بل هو الواحد من جميع الوجوه و هو الحكيم بما رتبه في الخلق و من جملة ما رتبه بعلمه و حكمته إنه جعل السموات و الأرض محلا لكبريائه فكأنه يقول وَ لَهُ الْكِبْرِيٰاءُ الذي خلقه فِي نفس اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ حتى يكبروا إلههم به و كذلك وقع فكبروه في نفوسهم فقالوا إنه ذو الجلال أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له و الإكرام بنا فإن نظرت بعين الحقيقة ففتح اللّٰه منك عين الفهم علمت من سميت و من وصفت و من نعت و لمن هي هذه النعوت و بمن قامت و إلى أي عين نسبت و أما قوله فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة و أخذوه في اللّٰه تجوزا من جوع و ظمأ و مرض و غضب و رضي و سخط و تعجب و فرح و تبشبش إلى قدم و يد و عين و ذراع و أمثال ذلك مما وردت به الأخبار عن اللّٰه على السنة الرسل و ما ورد من ذلك في الكلام المنسوب إلى اللّٰه المعبر عنه بصحيفة و قرآن و فرقان و توراة و إنجيل و زبور فالأمر عند المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق و أن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق كما اتصف العالم أيضا بجميع الأسماء الإلهية الحسنى و أجمع النظار عليها و الكل أسماؤه من غير تخصيص هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق و لهذا نحن في ذلك على التوقيف فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه و لا نسميه إلا بما سمي به نفسه لا نخترع له اسما و لا نحدث له حكما و لا نقيم به صفة فإنه قد قدمنا لك أنه لا يماثلنا و لا نماثله ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ منا و ليس كمثلنا شيء منه فهو لنفسه بنفسه و نحن لنا به لأنا لا نستقل بوجودنا كما استقل هو إلا أنه خلق العالم على صورته و لذلك قبل التسمي بأسمائه فانطلق على العالم ما انطلق على الحق من حيث ما أطلقه الحق على نفسه فعلمنا أنه في أسمائه الأصل لا نحن فما أخذ شيئا هو لنا و لا نستحقه بل كل ذلك له و من جملة ما خلق اللّٰه الخيال و ظهر لنا فيه بهذه الأسماء و الصفات ففصلنا و قسمنا و رفعنا و خططنا و لم يترك شيئا من صفات العالم عندنا إلا وصفنا بها خالقنا فكشف لنا فإذا ذلك كله صفاته لا صفاتنا فصفات العالم على الحقيقة هوية الحق و الاختلاف في التجليات الإلهية لحقائق الممكنات في عين الحق فإنه عين الصورة التي أدركناها إذ لا نشك فيما رأينا إنا رأينا الحق بالعلامة التي بيننا و بينه و هو من هويته بصرنا و سمعنا فما رأيناه إلا به لا ببصرنا و لا سمعنا كلامه إلا به لا بسمعنا فلا بد من عين هو مسمى العالم و لا بد من عين هو مسمى الحق ليس كمثل واحد شيء من الآخر فهذا بعض ما يحوي عليه التواضع الكبريائي وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثامن و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
و ذلك إذا ارتقى من غير تعيين قصد ما يقصده من الحق و كل شيء عند الحق معين فقد قصده من الحق ما لا يناسب قصده من عدم التعيين»
نكون على النقيض إذا اجتمعنا و إن بنا تكون على السواء
و في التحقيق ما في الكون عين بلا شك سواه و لا مراء
فقل للمنكرين صحيح قولي عميتم عن مطالعة العماء
و عن نفس تكون فيه خلق كثير شكله شكل المرائي
فيقلب صورة الرائي إليه بحكم ثابت في كل رائي
[الزيادة عبارة عن ما لم يخطر بالبال]
قال اللّٰه تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ فعين لمعين و زاد غير غير معين سألت بعض شيوخنا عن الزيادة فقال ما لم يخطر بالبال و
قال ص إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فلا بد أن يكون غير معلوم للبشر و لا بد أن يكون في البشر صفة غير معلومة و لا معينة منها يحصل له هذا الذي ذكر أنه ما خطر على قلب بشر موازنة مجهول لمجهول و قال تعالى فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ فنكر و نفى العلم مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ فعلمنا على الإجمال أنه