الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٣١ - «الباب السادس و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد و أينية المعية»
مقيدا مطلقا نزيها
مقدسا عامرا مكانا
من قال شوقا تريد عيني
بأن ترانا فقد جفانا
أين أنا منك يا جفونا
لم تلحظ الفعل و الزمانا
كيف لها أن ترى جلالي
و قد رأى الصعق من رآنا
قال اللّٰه عز و جل وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ فكان بهويته معنا و بأسمائه أقرب إلينا منا فإن الحق إذا جمع نفسه مع أحديته فلأسمائه من حيث ما تدل عليه من الحقائق المختلفة و ما مدلولها سواه فإنها و مدلولاتها عينه و أسماؤه فلا بد أن تكون الكناية عن ذلك في عالم الألفاظ و الكلمات بلفظ الجمع مثل نحن و إنا بكسر الهمزة و تشديد النون مثل قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر و إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و قد تفرد إذا أراد هويته لا أسماءه مثل قوله إِنَّنِي أَنَا اللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنَا فوحد و أين نحن ما أنا و لا معنى لمن قال إن ذلك كناية عن العظمة لا بل هي عن الكثرة و ما ثم كثرة إلا ما تدل عليه منه أسماؤه الحسنى أو تكون عينه أعيان الموجودات و تختلف الصور لاختلاف حقائق الممكنات المركبات إذ قد قال عن هويته إنها جميع قوى الصور أي إذا أحب الشخص من عباده كشف له عنه به فعلم أنه هو فرآه به مع ثبوت عين الممكن و إضافة القوة التي هي عينه تعالى إلى العبد
فقال كنت سمعه فالضمير في قوله كنت سمعه عين العبد و السمع عين الحق و لا يكون العبد عبدا إلا بسمعه و إلا فمن يقول إذا نودي سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا إلا المأمور عند تكوينه و في تصرفاته فلو لا أنه سميع ما قيل له كن و لا يكون لو لا طاعته لربه في أمره إياه و الحق سمعه ليس غيره في كل حال فكشف له سبحانه عن ذلك و إذا كان الأمر على ما ذكره عن نفسه و أعطاه الشهود و الكشف صح الجمع في لفظة إنا و نحن و إذا لم يكن عين القوي و الموجودات إلا هو صح الإفراد في إِنَّنِي أَنَا اللّٰهُ و الهو و الأنت و ضمير المفرد بالخطاب بالكاف في إِيّٰاكَ نَعْبُدُ و أمثال ذلك فأفرد نفسه في جمعيتنا فقال وَ هُوَ مَعَكُمْ و جمع نفسه في أحديتنا في قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ فأفرد الضمير العائد على الإنسان فلم يكن الجمع إلا بنا و لا الواحد العين إلا به فأينما كان الخلق فالحق يصحبه من حيث اسمه الرحمن لأن الرحم شجنة منه و جميع الناس رحم فإنهم أبناء أب واحد و أم واحدة فإنه خلقنا مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ و هو آدم و بث من آدم و حواء رِجٰالاً كَثِيراً وَ نِسٰاءً فنحن أرحام من حيث إن الرحم شجنة من الرحمن فصحت القرابة و قد أمر بصلة الأرحام فقال تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ و أمر بأن نوصل الأرحام و هو أولى بهذا الوصف منا فلا بد أن يكون للرحم وصولا فإنها شجنة من الرحمن و قد لعن اللّٰه و اللعنة البعد من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه أي لا ينتسب إلى غير رحمه فنحن من حيث الرحم قرابة قربى و من حيث الرتبة عبيد فلا ننتسب إلا إليه و لا ننتمي لسواه و قد
قال تعالى في الصحيح عنه اليوم أضع نسبكم لأنه عارض عرض لنا ما هو أصل لأنا نفترق و لا نجتمع و قد لا يعرف بعضنا بعضا فنسبنا الذي بيننا ما هو أصل إذ لو كان أصلا ما قبل العوارض و لا صح النكران
ثم قال و أرفع نسبي فإنا ما زلنا عنه قط و لا افترقنا منه و لا فارقنا و لا زال عنا و كيف نزول عمن نحن في قبضته و من هو معنا أينما كنا و على أي حالة وصفنا من وجود و عدم ثم قال أين المتقون فقمنا إليه بأجمعنا لأنه ما منا إلا من اتخذه وقاية في دفع الشدائد عن نفسه و هو قوله وَ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّٰ إِيّٰاهُ و ما منا إلا من كان الحق له وقاية في دفع ما يقال عنه فيه إنه سوء فيكون كالمجن له تتعاور علينا سهام إلا سواء فيضاف كل مكروه إلينا فداء له فصح أن الناس كلهم متقون لكن ثم تقوى خصوص و تقوى عموم ميزتها الشرائع و نبهت عليها فمن علم ما قلناه حمل التقوى حملا عاما على جميع الخلق و من وقف مع النقوي المعلومة عند الناس خصص و ما نبهنا على هذا الأمر إلا مراعاة للشرع فإن الشرع راعى ذلك و نبه عليه حتى إذا علمه الإنسان و تحقق به ظهر له الفضل على غيره فإن اللّٰه يقول هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ و قد أمر بصلة الأرحام و الرحمن لنا رحم نرجع إليه فلا بد للمطيع أمره أن يصل رحمه و ليس إلا وصلته بربه فإن اللّٰه بلا شك قد وصلنا من حيث إنه رحم لنا ف هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ المنعم على أي حالة كنا من طاعة أمره أو معصية و موافقة أو مخالفة فإنه لا يقطع صلة الرحم من جانبه و إن انقطعت عنه من جانبنا لجهلنا ثم إنه ما أمر بصلة