الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٦٧ - «وصل» الأول
سأل أمرا فيه شقاؤه فأجابه المسئول مع علمه بذلك و لم ينبهه على ما عليه من الشقاء في ذلك و فيه علم إن المأمور يمتثل أمر سيده ثم يعاقبه السيد على امتثال أمره ما حكم هذا الفعل من السيد و فيه علم الفرق بين من أخذ بالحجة و بين من أخذ بالقهر و فيه علم الخمسة عشر و فيه علم التساوي بين الضدين فيما اجتمعا فيه و فيه علم المبادرة لكرامة الضيف النازل عليك و إن لم تعرفه بما ذا تقابله و أنت لا تعرف منزلته فتكرمه بقدر ما تعرف من منزلته و تعامله بذلك فإن الكرامة على قسمين القسم الواحد يعم المعروف و غير المعروف و القسم الآخر ما يفضل بها المعروفون و فيه علم التعريف بما يقع به الأمان للخائف و الأنس للمستوحش و فيه علم النصائح و فيه علم التذكير و المواعظ و فيه علم من ينبغي أن يصحب ممن لا ينبغي أن يصحب و من ينبغي أن يتبع ممن لا ينبغي أن يتبع و من ينبغي أن يعرف من غير صحبة و لا اتباع و من يصحب و يتبع و لا يعرف و فيه علم ما لا بد من العلم به و هو العلم بطريق نجاتك
«وصل» [الأول]
هذا المنزل بينه و بين الباب السبعين و مائتين وصلة بنسبة خاصة فألحقنا منه في هذا المنزل هذا القدر الذي أذكره إن شاء اللّٰه و ذلك أن اللّٰه تعالى لما خلق الأرواح النورية و النارية أعني الملائكة و الجان شرك بينهما في أمر و هو الاستتار عن أعين الناس مع حضورهم معهم في مجالسهم و حيث كانوا و قد جعل اللّٰه عز و جل بينهما و بين أعين الناس حِجٰاباً مَسْتُوراً فالحجاب مستور عنا و هم مستورون بالحجاب عنا فلا نراهم إلا إذا شاءوا أن يظهروا لنا و لهذا سمى اللّٰه الطائفتين من الأرواح جنا أي مستورين عنا فلا نراهم فقال في حق الملائكة في الذين قالوا إن الملائكة بنات اللّٰه وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني بالجنة هنا الملائكة لقولهم ما ذكرناه آنفا و كانوا يكرهون نسبة البنات إليهم فأخبرنا اللّٰه بذلك في قوله وَ يَجْعَلُونَ لِلّٰهِ مٰا يَكْرَهُونَ فإنهم كانوا يكرهون البنات و بهذا أخبرنا اللّٰه عنهم في قوله تعالى وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ يَتَوٰارىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مٰا بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرٰابِ و هو قوله تعالى وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ و أنكر اللّٰه عليهم نسبة الأنوثة إلى الملائكة في قوله أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاٰئِكَةَ إِنٰاثاً وَ هُمْ شٰاهِدُونَ فلما شرك اللّٰه تعالى بين الملائكة و بين الشياطين في الاستتار سمي الكل جنة فقال في الشياطين مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّٰاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النّٰاسِ يعني بالجنة هنا الشياطين و قال في الملائكة وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني الملائكة وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ و الملائكة رسل من اللّٰه إلى الإنسان موكلون به حافظون كاتبون أفعالنا و الشياطين مسلطون على الإنسان بأمر اللّٰه فهم مرسلون إلينا من اللّٰه و قال عن إبليس إنه كٰانَ مِنَ الْجِنِّ يعني الملائكة فَفَسَقَ أي خرج أي عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي من الذين يستترون عن الإنس مع حضورهم معهم فلا يرونهم كالملائكة فلما شرك بينهم في الرسالة أدخله أعني إبليس في الأمر بالسجود مع الملائكة فقال وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ فأدخله معهم في الأمر بالسجود فصح الاستثناء و جعله منصوبا بالاستثناء المنقطع فقطعه عن الملائكة كما قطعه عنهم في خلقه من نار فكأنه يقول إلا من أبعده اللّٰه من المأمورين بالسجود و لا ينطلق على الأرواح اسم جن إلا لاستتارهم عنا مع حضورهم معنا فلا نراهم فحينئذ ينطلق عليهم هذا النعت فالجنة من الملائكة هم الذين يلازمون الإنسان و يتعاقبون فينا بالليل و النهار و لا نراهم عادة و إذا أراد اللّٰه عز و جل أن يراهم من يراهم من الإنس من غير إرادة منهم لذلك رفع اللّٰه الحجاب عن عين الذي يريد اللّٰه أن يدركهم فيدركهم و قد يأمر اللّٰه الملك و الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم أو يكشف اللّٰه الغطاء عنا فنراهم رأى العين فقد نراهم أجسادا على صور و قد نراهم لا على صور بشرية بل نراهم على صورهم في أنفسهم كما يدرك كل واحد منهم نفسه و صورته التي هو عليها و أن الملائكة أصل أجسامها نور و الجن نار مارج و الإنسان مما قيل لنا و لكن كما استحال الإنس عن أصل ما خلق منه كذلك استحال الملك و الجن عن أصل ما خلقا منه إلى ما هما عليه من الصور فقد بان لك ما اشترك فيه الجان و الملك و ما تميز به بعضهما عن بعض فيعتبر اللّٰه في التعبير لنا عن كل واحد منهما إما بالصفة المشتركة بينهما أو بما ينفرد كل جنس منهما به كيف شاء لمن نظر نظرا صحيحا في ذلك و خلق اللّٰه الجان شقيا و سعيدا و كذلك الإنس و خلق اللّٰه الملك سعيدا لا حظ له في الشقاء فسمى شقي الإنس و الجان كافرا و سمي السعيد