الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ١٤١ - أعمال الأشقياء مجسدة و أعمال السعداء كذلك
ألا لله ما الأكوان فيه
من أحكام التناقض في الوجود
فمنهم طائع عاص عليم
جهول بالنزول و بالصعود
و منهم من تحقق في غيوب
و منهم من تحقق في الشهود
فتظهر كثرة و العين منها
وحيد بالدلائل و العقود
فسبحان المراد بكل نعت
من أوصاف الألوهة و العبيد
و سبحان المحيط بكل شيء
و يوصف في المعارف بالمزيد
[الرؤية يوم الزور العام الأعظم]
قال رسول اللّٰه ص أنا سيد الناس يوم القيامة و علل ذلك بكماله و قال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني لعموم رسالته و شمول شريعته فخص ص بأشياء لم تعط لنبي قبله و ما خص نبي بشيء إلا و كان لمحمد ص فإنه أوتي جوامع الكلم و
قال كنت نبيا و آدم بين الطين و الماء و غيره من الأنبياء لم يكن نبيا إلا في حال نبوته و زمان رسالته فلنذكر في هذا الباب منزله و منزلته فالمنزل يظهر في بساط الحق و مقعد الصدق عند التجلي و الرؤية يوم الزور العام الأعظم فيعلم منزله بالبصر و الشهود و أما منزلته فهي منزلة في نفس الحق و مرتبة منه و لا يعلم ذلك إلا بإعلام اللّٰه و له المقام المحمود و هو فتح باب الشفاعة للملائكة فمن دونهم و له الأولية في الشفاعة و له الوسيلة و ليس في المنازل أعلى منها ينالها محمد ص بسؤال أمته جزاء لما نالوه من السعادة به حيث أبان لهم طريقها فاتبعوه
[أعمال الأشقياء مجسدة و أعمال السعداء كذلك]
و اعلم أن هذا المنزل من يدخله يرى فيه عجائب لا يراها في غيره فمن ذلك أنه يرى أعمال الأشقياء مجسدة و أعمال السعداء كذلك مجسدة صورا قائمة تعقل وجود خالقها و قد جعل اللّٰه في نفوس هذه الصور طلبا على الأسباب التي وجدت عنها و هم العاملون و يجدون في طلبهم فأما أعمال السعداء فيرون على أيمانهم طريقا يسلكونها فتأخذ بهم تلك الطريق إلى مشاهدة أصحابهم و هم السعداء فيميز بعضهم بعضا و يتساءلون و يتخذونهم العاملون مراكب فوز و نجاة تحملهم إلى مستقر الرحمة و أما أعمال الأشقياء فتقوم لهم طرق متعددة متشعبة متداخلة بعضها في بعض لا يعرفون أي طريق تمشي بهم إلى أصحابهم فيحارون و لا يهتدون و هذا من رحمة اللّٰه بالأشقياء فإذا حارت أعمالهم رجعت إلى اللّٰه بالعبادة و الذكر و يتفرقون في تلك الطرق فمنهم من لا يهتدي إلى صاحبه أبد الآبدين و منهم من يصل إلى صاحبه فيشاهده و يتعرف إليه فيعرفه و يكون وجوده إياه مصادفة فيتعلق به و يقول له احملني فقد أتعبتنى في طلبك فيجبر العامل على حمله إلى أن تناله الرحمة رحمة اللّٰه و إلى جانب موقف هذه الصور طريقان واضحان طريق يكون غايته الحق الوجود و طريق لا غاية له فإنه يخرج السالك إلى العدم فلا يقف عند غايته فيه إذ العدم لا ينضبط بحد فيتقيد به بخلاف الحق الوجود فإنه يتقيد و إن كان مطلقا فإطلاقه تقييد في نفس الأمر فإنه متميز بإطلاقه عن الوجود المقيد فهو مقيد في عين إطلاقه و طريق ثالث بين هذين الطريقين برزخي لا تتصف غايته بالوجود و لا بالعدم مثل الأحوال في علم المتكلمين فأما الطريق التي يكون غايتها الوجود الحق فيسلك عليها الموحدون و المؤمنون و المشركون و الكافرون و جميع أصحاب العقائد الوجودية و أما الطريق الأخرى فلا يسلك عليها إلا المعطلة فلا ينتهي بهم إلى غاية و أما الطريق البرزخى فلا يسلك فيه إلا العلماء بالله خاصة الذين أثبتهم الحق و محاهم في عين إثباتهم و أبقاهم في حال فنائهم فهم الذين لا يموتون و لا يحيون إلى أن يقضي اللّٰه بين العباد فيأخذون ذات اليمين إلى طريق الوجود الحق و قد اكتسبوا من حقيقة تلك الطريق صفة و اكتسبوا منها هيأة تظهر عليهم في منزل الوجود الحق يعرفون بها بعضهم بعضا و لا يعرفهم بها أحد من أهل الطريقين و هذا ضرب مثل ضربه اللّٰه لأهل اللّٰه ليقفوا منه على مراتب الهدى و الحيرة و المهتدين و الضالين و جعل اللّٰه لهم نورا بل أنوارا يهتدون بها في ظلمات بر طبيعتهم و في ظلمات بحر أفكارهم و في ظلمات نفوسهم الناطقة برها و بحرها بما هي عليه في نشأتها إذ كانت متولدة بين النور الخالص و الطبيعة المحضة العنصرية الصرفية و تلك الأنوار المجعولة فيهم من الأسماء الإلهية فمن كان عارفا بها و ناظرا بها من حيث ما وجدت له وصل بها إلى العلم بالأمور و الكشف و من أخذها أنوارا لا يعلم أنها بالوضع للاهتداء و جعلها زينة كما تراها العامة في