رساله الولاية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٥٢
قلت: قد أشرنا فى الفصل الثانى من هذه الرسالة إلى أنّ البيانات الواردة فى الكتاب و السّنة بيان واحد، و إنّما الاختلاف فى ناحية الأخذ و التفاوت فى إدراك المدركين.
و السير إليه سبحانه، الذى هو أيضا نتيجة الفهم و العلم، يختلف باختلافه، و ينشعب بانشعابه.
و لعمرى هو من الوضوح بمكان. و قد ذكرنا هناك انّ الناس على طبقات مختلفة، كل طبقة تأخذ على طبق فهمه، و يعمل على و تيرته.
فإذا فرضنا واحدا من العامّة، و بغيته الدنيا و زخارفها، يبيت و هو يفكّر فى تدبير معاش غده، كيف يبيع و يشترى؟و أين يذهب غدا؟ و من يلاقى؟و يصبح، و همّه تدبير أمر يومه، و إصلاح شأنه فى الدنيا.
إذا سمع داعى اللّه بشيرا و نذيرا يبشّر بمغفرة من اللّه و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم، و ينذر بنار وقودها الناس و الحجارة و سائر ما أعدّ اللّه للظالمين؛ فلقصور همّته، و اختصاص همّه بما يشبعه و يرويه، لا يجد مجالا للغور فى آيات اللّه و كلماته. و إنّما يؤمن بإجمال ما سمع، و يدين من الأعمال الصالحة بما لا يزاحم ما يبتغيه من الدنيا. فالدنيا عنده هو الأصل، و الدين تبع؛ فلذلك يضادّ فعله قوله، و عمله علمه.
تراه يقول: إنّ اللّه سميع بصير، و هو يقترف كلّ منكر، و يترك كلّ واجب.
و تراه يؤمن بانّ اللّه هو الولىّ، و إليه المصير؛ و هو يخضع و يعبد كلّ ولىّ من دون اللّه، و يهرع إلى كلّ شيطان يدعوه إلى عذاب السعير إذا استشعر هناك يسير شىء من زخارف الدنيا؛ و لا يرقى فهمه إن استفهمته أنّه لا يرى غير الجسم و الجسمانيات شيئا، و فوق هذه الأوهام الدائرة أمرا. غ