جامع الشتات - الشيخ الخواجوئي - الصفحة ٧٣ - تحقيق في تجرّد النفس و إعادة المعدوم
[تحقيق في تجرّد النفس و إعادة المعدوم]
قال الفاضل المليّ ملّا محمّد باقر بن محمّد تقي في شرحه على الصحيفة الكاملة: أوّليّته تعالى و آخريّته فسّرتا بوجوه: الأوّل: أن يكون المراد الأسبقيّة بحسب الزمان، و هذا إنّما يتمّ إذا كان الزمان أمراً موهوماً كما ذهب إليه المتكلّمون، أو بحسب الزمان التقديري كما ذكره الطبرسي في مجمع البيان [١] أي: لو فرضنا و قدّرنا قبل حدوث الزمان زماناً آخر كان الواجب تعالى أسبق و أقدم؛ إذ لو قيل بزمان موجود قديم يلزم إثبات قديم سوى الواجب و هو خلاف ما ذهب إليه الملّيّون [٢] من المسلمين و غيرهم، و الأخبار المتواترة من طرق العامّة و الخاصّة، بل هو من ضروريّات الدين و جاحده كافر. و على هذا فالمراد بالآخريّة أنّه الموجود بعد الأشياء بأحد المعنيين، و هذا يدلّ على أنّه تعالى يفني الأشياء جميعاً ثمّ يوجدها كما يدلّ عليه صريح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطب نهج البلاغة [٣] فلا عبرة بما يقال من امتناع إعادة المعدوم، فإنّ دلائلهم مدخولة ضعيفة لا تعارض النصوص الجليّة الواضحة [٤]. أقول: و فيه نظر، أمّا أوّلا: فلأنّ هذا الكلام من ذلك العلّام: إمّا مبنيّ على أنّه لا يقول بتجرّد النفس و مغايرتها للبدن، فمثله عن مثله بعيد، كيف لا و تجرّدها ممّا لا ينبغي أن يشكّ فيه عاقل؛ لكونه ممّا قد قامت عليه البراهين و أشارت اليه الكتب السماويّة و شهدت له الأخبار النبويّة، و قد ذكرنا طرفاً صالحاً منها في هداية الفؤاد [٥]. أو على أنّه يقول بتجرّدها و لكنّه يقول: إنّها تفنى بفناء البدن، و هو أيضاً منه بعيد بل أبعد؛ لأنّ كلّ من قال بتجرّدها و مغايرتها للبدن قال ببقائها
[١] مجمع البيان ٥: ٢٣٠.
[٢] و في المصدر بعد قوله «الواجب»: و حدوث العالم بمعنى انتهاء وجودها من جانب الأزل ممّا لا خلاف فيه عند الملّيين. إلخ.
[٣] نهج البلاغة: ٢٧٥ ٢٧٦ برقم: ١٨٦.
[٤] الفرائد الطريفة في شرح الصحيفة: ص ١٠٩ ١١٠ المطبوع بتحقيقنا.
[٥] هداية الفؤاد المطبوع في الرسائل الاعتقاديّة ٢: ٣٥٦.