جامع الشتات - الشيخ الخواجوئي - الصفحة ١٤ - المناقشة في كلام ابن سينا في مسألة الإمامة
و اعلم أنّ الجواب الحاسم لمادة المشاغبة و المشاجرة: ما سبق من أنّ الاستخلاف بالنصّ لمّا كان هو الأصلح و الأصوب لعدم أدائه إلى التشعّب و التشاغب، كان من الواجب في سنّة هذا الإنسان لكونه من أكمل أفراد نوع الإنسان أن ينصّ علىٰ من يخلفه، و أن لا يكون الاستخلاف إلّا من جهته، لا بإجماع جماعةٍ من أهل الغرض و العناد و طائفةٍ من أهل الزور و الفساد؛ حسماً لمادّة المخالفة و الجدال و سدّاً لطريق المنازعة و القتال، إذا سِير بسيرته و عُمِل بشريعته و سنّته، و ذلك معلوم من استقامة طريقته و حسن سيرته و صفاء طويّته و غاية لطفه بأُمّته، و المنازع مكابر مقتضى عقله و بصيرته، و اللّٰه يعلم ذلك من سريرته. و من هنا تراهم يقولون: إنّ الرئاسة العامّة إذا لم تكن على وجه الغلبة و القهر بل كانت على طريقة مؤدّية إلىٰ صلاح المدينة في معاشهم و معادهم لا بدّ و أن تكون من قِبَل اللّٰه و وحيه؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) و ما يسنّه فإنّما هو من عنده، و واجب في حكمته أن يسنّه؛ لأنّه أعلم بمصالح عباده منهم في أُمور دينهم و دنياهم فيختار لهم من يشاء لما يشاء بعد أن كان مستعدّاً لذلك و أهلًا له، و ذلك ممّا لا يعلمه كما هو إلّا هو، و اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته، حتّى أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) مع كماله و توسطه بين اللّٰه و بين عباده عاجز عن هذا الخطب العظيم و الأمر الجسيم من دون توسط الإنباء و إيحاء، فيقتضي النصّ و التصريح به. و لمّا سأل سادة بني إسرائيل نبيّهم أن يملكهم ليقاتلوا به في سبيل اللّٰه «وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ» [١] بمن اصطفاه للملك و الرياسة. فانظر رحمك اللّٰه نظر طالب حقٍّ لا يكون له ميل بطرف دون طرف كيف ردّ عليهم تعلّلهم بأنّ لا ملك إلّا بالرجال و لا رجال إلّا بالمال و هو فقير لا سعة له و لا مال، بأنّ الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه في الملك و الرياسة بعد
[١] البقرة: ٢٤٧.