جامع الشتات - الشيخ الخواجوئي - الصفحة ١٧٦ - تحقيق حول الحديث النبوي «لو كانت لي يد ثالثة لاستعنت بها على الأكل»
غيره، و قد جاء في الخبر المشهور: «إنّ إبراهيم (عليه السلام) قال لملك الموت إذ جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلًا يميت خليله، فأوحى اللّٰه تعالى إليه: هل رأيت محبّاً يكره لقاء حبيبه، فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض» [١]. قلتُ: كراهته مذمومة إذا كرهه لحبّ الدنيا و شهواتها و التعلّق بملاذّها، و أمّا إذا كرهه لطاعة اللّٰه تعالى و تحصيل مرضاته و توفير ما يوجب سعادة النشأة الأُخرىٰ كازدياد المعارف الإلهيّة و فعل الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نشر العلوم و الأخبار و الآثار و تعليمها أو تعلّمها و أمثال ذلك فلا، و لذا روي كراهته عن كثير من الأنبياء و الأولياء.
و بالجملة: حبّ الحياة الفانية الدنيويّة إنّما يلزم إذا آثرها علىٰ ما يوجب الحياة الباقية الأُخرويّة، و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام) في صحيفته الكاملة: «و عمّرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق سخطك إليَّ أو يستحكم غضبك عليّ» الدعاء [٢].
[تحقيق حول الحديث النبوي «لو كانت لي يد ثالثة لاستعنت بها على الأكل»]
قال النبي (صلى الله عليه و آله): «لو كانت لي يد ثالثة لاستعنت بها على الأكل» هكذا نقله أصحابنا [٣]. و ظاهره يدلّ على ضرب من الشره و نوع من الحرص على الأكل و الاهتمام به، و المقام النبويّ (صلى الله عليه و آله) منزّه عنه و عن أمثاله، كيف لا و قد قال (عليه السلام): «كفى ابن آدم ثلاث لقيمات يقمن صلبه» [٤] فلا بدّ له من تأويل و توجيه، و له وجوه: الأوّل: أن يكون المراد بالأكل القتل و الكسر و القهر، فإنّ استعماله بهذا المعنى شائع.
[١] بحار الأنوار ١٢: ٧٨ ح ٧.
[٢] فقرأت من دعاء مكارم الأخلاق من الصحيفة رقم الدعاء: ٢٠.
[٣] مصابيح الأنوار للعلّامة شبّر ٢: ٢٧٢.
[٤] بحار الأنوار ٦٦: ٣٢٩ ح ٣.