الإمام الجواد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣ - الجوائز

وَأَنَّهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ يَجْرِي لِآخِرِهِمْ مَا يَجْرِي لِأَوَّلِهِمْ.

فَقَالُوا: صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَهَضَ الْقَوْمُ.

الجوائز:

فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَحْضَرَ النَّاسَ وَحَضَرَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام وَسَارَ الْقُوَّادُ وَالْحُجَّابُ وَالْخَاصَّةُ وَالْعُمَّالُ لِتَهْنِئَةِ المَأْمُونِ وَأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، فَأُخْرِجَتْ ثَلَاثَةُ أَطْبَاقٍ مِنَ الْفِضَّةِ فِيهَا بَنَادِقُ [١] مِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ مَعْجُونٍ، فِي أَجْوَافِ تِلْكَ الْبَنَادِقِ رِقَاعٌ مَكْتُوبَةٌ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ وَعَطَايَا سَنِيَّةٍ وَإِقْطَاعَات [٢]، فَأَمَرَ المَأْمُونُ بِنَثْرِهَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ خَاصَّتِهِ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ بُنْدُقَةٌ أَخْرَجَ الرُّقْعَةَ الَّتِي فِيهَا وَالْتَمَسَهُ فَأُطْلِقَ يَدُهُ لَهُ.

وَوُضِعَتِ الْبَدْرُ فَنَثَرَ مَا فِيهَا عَلَى الْقُوَّادِ وَغَيْرِهِم (من كبار الموظفين) وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ بِالْجَوَائِزِ وَالْعَطَايَا، وَتَقَدَّمَ المَأْمُونُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى كَافَّةِ المَسَاكِينِ، وَلَمْ يَزَلْ مُكْرِماً لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام مُعَظِّماً لِقَدْرِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ يُؤْثِرُهُ عَلَى وُلْدِهِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ [٣].

وحينما تم زواج الإمام بابنة المأمون، وبقي في بغداد مدة غير قليلة ناعماً مُرفَّهاً يأتيه المسلمون، فينهلون من فيضه، ويستقون غمائمه، ما يغنيهم ويرويهم، بيد أنه لم يكن يرضيه التنعُّم في قصور العباسيين تاركاً أمور الشيعة والمسلمين الدينية وراءه ظِهْرِيًّا، وكما يبدو أنه إن لم يكن قد أكرهته الظروف بالمقام في بغداد، لما أقام فيها إلَّا قليلًا.


[١] جمع بندقة، وهي شيء مدور يشبه الجوز.

[٢] كان الملوك يهبون لبعض الأفراد قطعاً كبيرة من الأراضي الأميرية، فكانت تسمى إقطاعاً.

[٣] الاحتجاج، ص ٢٢٧- ٢٢٩ وبحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٧٣- ٧٩