الإمام الجواد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨ - إلى بغداد
لَهُ وَلَا فِقْهَ، فَأَمْهِلْهُ لِيَتَأَدَّبَ ثُمَّ اصْنَعْ مَا تَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَيْحَكُمْ إِنِّي أَعْرَفُ بِهَذَا الْفَتَى مِنْكُمْ، وَإِنَّ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ عِلْمُهُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَمَوَادِّهِ وَإِلْهَامِهِ، لَمْ تَزَلْ آبَاؤُهُ أَغْنِيَاءَ فِي عِلْمِ الدِّينِ وَالْأَدَبِ عَنِ الرَّعَايَا النَّاقِصَةِ عَنْ حَدِّ الْكَمَالِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَامْتَحِنُوا أَبَا جَعْفَرٍ بِمَا يَتَبَيَّنُ لَكُمْ بِهِ مَا وَصَفْتُ لَكُمْ مِنْ حَالِهِ.
قَالُوا: قَدْ رَضِينَا لَكَ- يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ- وَلِأَنْفُسِنَا بِامْتِحَانِهِ، فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ لِنَنْصِبَ مَنْ يَسْأَلُهُ بِحَضْرَتِكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فِقْهِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا اعْتِرَاضٌ فِي أَمْرِهِ، وَظَهَرَ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ سَدِيدُ رَأْيِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ كُفِينَا الْخَطْبَ فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ لَهُمُ المَأْمُونُ: شَأْنَكُمْ وَذَلِكَ مَتَى أَرَدْتُمْ. فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى مَسْأَلَةِ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الزَّمَانِ، عَلَى أَنْ يَسْأَلَهُ مَسْأَلَةً لَا يَعْرِفُ الْجَوَابَ فِيهَا وَوَعَدُوهُ بِأَمْوَالٍ نَفِيسَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَعَادُوا إِلَى المَأْمُونِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ يَوْماً لِلاجْتِمَاعِ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَحَضَرَ مَعَهُمْ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، وَأَمَرَ المَأْمُونُ أَنْ يُفْرَشَ لِأَبِي جَعْفَرٍ دَسْتٌ وَيُجْعَلُ لَهُ فِيهِ مِسْوَرَتَانِ فَفُعِلَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، فَجَلَسَ بَيْنَ الْمِسْوَرَتَيْنِ، وَجَلَسَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَامَ النَّاسُ فِي مَرَاتِبِهِمْ وَالمَأْمُونُ جَالِسٌ فِي دَسْتٍ مُتَّصِلٍ بِدَسْتِ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ لِلْمَأْمُونِ:
يَأْذَنُ لِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: اسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي- جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: سَلْ إِنْ شِئْتَ.
قَالَ يَحْيَى: مَا تَقُولُ- جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْداً؟