الإمام الجواد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - بعد وفاة والده

بغداد، وقرَّب المأمون العباسي من يريد وغدر بمن كان قد نصره على أخيه الأمين في نزع الملك عنه، وغيَّر شعاره الذي اتخذه للثورة التي كانت نصف علوية، ورجع إلى لبس السواد، فأصبحت الدولة دولة عباسية مرة أخرى.

ومرة كان الإمام يسير في طرقات بغداد العاصمة المزدحمة، وقد اصطف الناس لابن الرضا عليه السلام، رافعين أعناقهم كي يفوزوا بنظرة منه، وكان من الواقفين رجل زيدي المذهب، يحدثنا فيقول:

خَرَجْتُ إِلَى بَغْدَادَ فَبَيْنَا أَنَا بِهَا إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ يَتَعَادَوْنَ وَيَتَشَرَّفُونَ وَيَقِفُونَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟

فَقَالُوا: ابْنُ الرِّضَا عليه السلام، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَيْهِ، فَطَلَعَ عَلَى بَغْلٍ أَوْ بَغْلَةٍ، فَقُلْتُ: لَعَنَ اللهُ أَصْحَابَ الْإِمَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ طَاعَةَ هَذَا. فَعَدَلَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا قَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [١].

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: سَاحِرٌ وَاللهِ!

فَعَدَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [٢].

قَالَ: فَانْصَرَفْتُ وَقُلْتُ بِالْإِمَامَةِ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاعْتَقَدْت به» [٣]،

أجل .. إن الاستغراب الذي غمر قلب هذا الرجل من جهة صغر


[١] سورة القمَر، الآية: ٢٤.

[٢] سورة القمَر، الآية: ٢٥.

[٣] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٦٤.