الإمام الجواد عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - إلى بغداد

النَّاسَ بِمَا لَا تَعْلَمُ. فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: يَا سَيِّدِي! أَلَيْسَ قَالَ هَذَا أَبُوك عليه السلام؟

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام:

إِنَّمَا سُئِلَ أَبِي عَنْ رَجُلٍ نَبَشَ قَبْرَ امْرَأَةٍ فَنَكَحَهَا، فَقَالَ أَبِي: تُقْطَعُ يَمِينُهُ لِلنَّبْشِ وَيُضْرَبُ حَدَّ الزِّنَاءِ فَإِنَّ حُرْمَةَ المَيِّتَةِ كَحُرْمَةِ الْحَيَّةِ. فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا سَيِّدِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللهَ. فَتَعَجَّبَ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا سَيِّدَنَا! أَتَأْذَنُ لَنَا أَنْ نَسْأَلَكَ؟

قَالَ: نَعَمْ. فَسَأَلُوهُ فِي مَجْلِسٍ عَنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُمْ فِيهَا وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ»[١].

وهذه القصة تُبيِّن مدى أهمية الإمام في عين الشيعة، ثم غزارة علمه، وطول باعه، وسعة ثقافته، التي نبعت عن قلب نفخ فيه الله علمه ومعرفته، وأكثر فيه تقواه وخشيته.

إلى بغداد:

وحينما انتقل المأمون العباسي إلى بغداد، وكان يعيش في صراع دائم مع العباسيين الذين استنكروا عليه إعطاءه ولاية العهد للرضا عليه السلام، مُذكِّرين إياه أن هؤلاء بني فاطمة هم المناوئون الذين يُخشى جانبهم أكثر من أي مناوئ آخر؛ لأن لهم أنصاراً وموالين في شرق البلاد وغربها.


[١] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٨٥- ٨٦. ومن المحتمل أن يكون عمره ثماني سنوات فقط كما هو مذكور في بعض الأحاديث، حيث إن الذي يبدو من هذا الحديث: أن الشيعة كانت قد اجتمعت بالمدينة في الموسم بعد وفاة الإمام الرضا مباشرة، وكان للإمام الجوادعليه السلام [٧] سنين حين موته في آخر شهر صفر، فلما انقضت سبعة أشهر جاء شهر رمضان ودخل الجواد في الثامنة، وفي موسم الحج من تلك السنة كانت هذه المحاورة. كما أن من الممكن كون الأسئلة وُجِّهت إلى الإمام في أيام متعددة مع وحدة المجلس، فيكون مجلسه أشبه بالمؤتمرات التي تطول أياماً تباعاً يقضونها بالبحث باستثناء أوقات الراحة والطعام.