الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - الفصل الأول المِيْلادُ المَيْمُونُ

هَذِهِ الصَّارِخَةُ فَقَالَ لَهَا: لَتَسْكُتِنَّ أَوْ لَنَرْجِعَنَّ، فَلَمْ تَسْكُتْ، فَرَجَعَ، فَقَالَ: امْضِ بِنَا، فَلَوْ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا شَيْئاً مِنَ الْبَاطِلِ مَعَ الْحَقِّ تَرَكْنَا لَهُ الْحَقَّ لَمْ نَقْضِ حَقَّ مُسْلِمٍ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ، قَالَ وَلِيُّهَا لِأَبِي جَعْفَرٍ: ارْجِعْ مَأْجُوراً رَحِمَكَ اللهُ؛ فَإِنَّكَ لَا تَقْوَى عَلَى المَشْيِ. فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الرُّجُوعِ وَلِي حَاجَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: امْضِ فَلَيْسَ بِإِذْنِهِ جِئْنَا وَلَا بِإِذْنِهِ نَرْجِعُ، إِنَّمَا هُوَفَضْلٌ وَأَجْرٌ طَلَبْنَاهُ، فَبِقَدْرِ مَا يَتْبَعُ الْجَنَازَةَ الرَّجُلُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِك» [١].

أما معاشرته لإخوانه فقد كانت غاية في الأدب، فمثلًا يحكي أبو عبيدة عن آداب عشرته في السفر فيقول:

«كُنْتُ زَمِيلَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، وَكُنْتُ أَبْدَأُ بِالرُّكُوبِ ثُمَّ يَرْكَبُ هُوَ، فَإِذَا اسْتَوَيْنَا سَلَّمَ وَسَاءَلَ مُسَاءَلَةَ رَجُلٍ لَا عَهْدَ لَهُ بِصَاحِبِهِ وَصَافَحَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا نَزَلَ نَزَلَ قَبْلي فَإِذَا اسْتَوَيْتُ أَنَا وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ سَلَّمَ وَسَاءَلَ مُسَاءَلَةَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! إِنَّكَ لَتَفْعَلُ شَيْئاً مَا يَفْعَلُهُ مَنْ قِبَلَنَا وَإِنْ فَعَلَ مَرَّةً لَكَثِيرٌ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ مَا فِي المُصَافَحَةِ، إِنَّ المُؤْمِنَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيُصَافِحُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَمَا تَزَالُ الذُّنُوبُ تَتَحَاتُّ عَنْهُمَا كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ عَنِ الشَّجَرِ وَاللهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا حَتَّى يَفْتَرِقَان» [٢].

وكان في تعامله مع الناس برًّا عفيفاً، وكان يعفو عن السيئة أنَّى استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكان لذلك أطيب الأثر في نفوس الناس، فقد

قَالَ لَهُ نَصْرَانِيٌّ يوماً: أَنْتَ بَقَرٌ، قَالَ: لَا، أَنَا بَاقِرٌ. قَالَ: أَنْتَ ابْنُ الطَّبَّاخَةِ


[١] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣٠١.

[٢] بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣٠٢.