الإمام الباقر عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧ - الفصل الأول المِيْلادُ المَيْمُونُ

استخلفه الله في الأرض، وسخَّر له ما فيها بما آتاه من علم وقدرة؛ لعرفوا أن من حكمة الله سبحانه أن يفضل بعض الناس على بعض في العلم، وليهب لمن أطاعه وأخلص له المزيد من المعرفة سواء عبر الوحي كالرسل، أو عبر الإلهام كما فعل بأوصياء الرسل.

ثم إن ما أوحى به الله من الكتاب فيه آفاق من العلم لا يبلغها إلَّا من امتحن الله قلبه بالإيمان، لأنه نور الله الذي يشع من مشكاة النبوة. إنه ذكر الله الذي يرتفع من بيوت الأوصياء كما قال سبحانه: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [١].

قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٢].

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [٣].

هكذا نور الله الذي منح جزءاً بسيطاً منه للإنسان، فإذا به يعرف علما يُسَخِّرُ به كل شيء من حوله، إنه لو سلب منه ترى ماذا يبقى له؟ هل يستطيع آنئذٍ أن يعرف شيئاً. فلو اجتمعت البشرية وحاولوا إعادة مجنون إلى رشده، أو شيخ مخرف إلى سابق علم، أو تعليم هرة دروس الرياضيات، هل استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؟ كلا .. فلماذا ينكرون على الله الذي منح البشر هذا النور أن يكون قادراً على مضاعفته لخيرة عباده؟

هكذا نعرف أن الوحي والإلهام هما في إطار سنن الله في خلقه، يقبلهما العقل ويطمئن إليهما القلب.


[١] سورة النور، الآية: ٣٥.

[٢] سورة النور، الآية: ٣٦- ٣٧.

[٣] سورة النور، الآية: ٤٠.