بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٨٢ - الخطبة التي خطبها أمير المؤمنين عليه السلام في ذم الدنيا بقوله دار بالبلاء محفوفة
٤٥ - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم والأمان منها معدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها [٢].
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارا وأعمر ديارا وأبعد آثارا، أصبحت أصواتهم هامدة ورياحهم راكدة [٣] وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة والقبور اللاطئة الملحدة، التي قد بنى للخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل محلة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لا يستأنسون بالاوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار وكيف يكون بينهم تزاور، وقد طحنهم بكلكله البلى [٤] وأكلتهم الجنادل والثرى.
وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور، وبعثرت القبور " هناك تبلوا كل نفس ما أسفلت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " [٥].
[١] عدة الداعي: ٨٠.
[٢] النزال كتجار جمع نازل، والحمام بالكسر: الموت.
[٣] لما كانت الرياح الهابة ذات قوة وشوكة وقدرة هدامة، كنى بها عن ذلك يقال الريح لآل فلان: اي تجرى الدولة لهم على أعدائهم، ومنه قوله تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " وركود الرياح كناية عن عدم القدرة والشوكة.
[٤] الكلكل في الأصل صدر البعير وهو إذا ظفر بعدوه برك بكلكله عليه وداسه وطحنه بحيث لا يبقى عليه، وكذلك البلى إذا ناء بكلكله على الأموات وطحنهم عفا على لحومهم وعظامهم بحيث لا يبقى منها الا التراب.
[٥] نهج البلاغة الرقم ٢٢٤ من الخطب والآية في يونس: ٣٠.