بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢١٣ - معنى العز رداء الله، والكبر ازاره
٣ - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: العز رداء الله، والكبر إزاره، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم [١].
بيان: قيل في علة تشبيه العز بالرداء والكبر بالإزار: إن العزة أمر إضافي كما قيل هي الامتناع من أن ينال، وقيل: هي الصفة التي تقتضي عدم وجود مثل الموصوف بها، وقيل: هي الغلبة على الغير، والامر الإضافي أمر ظاهر والرداء من الأثواب الظاهرة فبينهما مناسبة من جهة الظهور، والكبر بمعنى العظمة وهي صفة حقيقية إذا العظيم قد يتعاظم في نفسه من غير ملاحظة الغير، فهي أخفى من العزة، والإزار ثوب خفي لأنه يستر غالبا بغيره، فبينهما مناسبة من هذه الجهة.
أقول: ويحتمل أن يراد بالعز إظهار العظمة، وبالكبر نفسها، أو بالعز ما يصل إليه عقول الخلق من كبريائه، وبالكبر ما عجز الخلق عن إدراكه، أو بالعز ما كان بسبب صفاته العلية وبالكبر ما كان بحسب ذاته المقدسة والمناسبة على كل من الوجوه ظاهرة [٢].
" فمن تناول " اي تصرف وأخذ " شيئا منه " الضمير راجع إلى كل من
[١] الكافي ج ٢ ص ٣٠٩.
[٢] أقول: وللسيد الشريف الرضى رضوان الله عليه في كتابه المجازات النبوية ص ٢٨٢ في معنى هذا الحديث مسلك آخر قال قدس سره: ومن ذلك قوله عليه السلام في تعيير أقوام ذمهم: ورجل ينازع الله رداءه فان رداءه الكبرياء وإزاره العظمة.
وهذا القول مجاز، والمراد بذلك أن الكبرياء والعظمة رداؤه تعالى وإزاره اللذان يكسوهما خليقته، ويلبسهما بريته، ولا يقدر غيره تعالى على أن ينزع منهما ما ألبسه، أو يلبس منهما ما نزعه، والمراد بذلك العظمة والكبرياء على حقيقتهما، دون ما يعتقده الجهال أنه عظمة وكبرياء وليس بهما، وذلك مثل ما نشأ هذه من تعظم الجبارين وتكبر المتملكين، فان ذلك ليس بتعظيم من الله سبحانه لهم ولا بإفاضة من ملابس كبريائه عليهم، وإنما العظمة والكبرياء في الحقيقة هما الكرامة التي يلقيها الله سبحانه على رسله وأنبيائه والقائمين بالقسط من عباده، فيعظمون بها في العيون، ويحلون في الصدور والقلوب، وإن كانت هيئاتهم ذميمة، وظواهرهم ورقابهم خاضعة، وبطونهم جائعة.
فإذا ثبت ما قلنا بأن تسمية الكبرياء والعظمة رداء الله وإزاره ليس لأنه يكتسبهما ولكن لأنه يكسوهما، وذلك كما يقول القائل وقد رأى على بعض الناس ثوبا افاضه عليه عظيم من العظماء أو كريم من الكرماء: هذا ثوب فلان ولم يرد أنه ملبسه، فأضافه إليه من حيث كساه لا من حيث اكتساه الخ.