براءة آدم حقيقة قرآنيّة - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٤٩
بحسب دلالة اسم الإشارة، وبما يشير إليه وجود مثيلات لها، إذ لو لم يكن المقصود هو شخص المشار إليه، فلماذا كانت الإشارة الحسية، مع وجود نظائر لتلك الشجرة هناك؟!..
وحين أكل من الشجرة، فإن خطاب الله سبحانه له عليه السلام، قد جاء وفق علمه تعالى بالواقع..
فالنبي آدم مخالف لصورة النهي، ويسمى هذا عصياناً، وهو أيضاً قد فعل خلاف الرشد الذي هو مقابل [الغي]، (أي ما لا يوصله إلى مطلوبه بحسب علمه تعالى)، وهذا ما يصحح خطابه بقوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}.. ويصحح قوله: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}..
وهذا الخطاب منه تعالى، خطاب محبة وحنان، ورأفة، ورحمة، وليس خطاب انتقاص، وغضب وإبعاد، لأن الله يعلم حقيقة نوايا النبي آدم، وأن ما جرى له إنما هو أمر تكويني لا خيار له فيه، وليس نتيجة غضب، ولا هو عقوبة إلهية..
ولذلك اصطفاه الله، واجتباه، وتاب عليه، وهداه..
وقد اعترف النبي آدم بأنه قد حمَّل نفسه ما لا تطيق، {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}.. وعرف أن ما أراد أن يصل إليه هو مما يشبه الحسد، أو هو من جنسه، وإن لم يكن حسداً قبيحاً، ولكنه وإن لم يكن آثماً بارتكابه، بسبب عدم القصد له، لعدم علمه بأسرار الواقع، وبحقائق تلك الأنوار، وبمقاماتها الأوحدية، ولكن لا ضير في أن يذكِّره الله تعالى بأن نهيه له عن الأكل من الشجرة كان سببه هو هذه الأمور التي انكشفت للنبي آدم بعد هذه المتاعب والمصائب..