براءة آدم حقيقة قرآنيّة - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٤٦
وهذا يشبه في بعض وجوهه تمني زوال الصفة أو النعمة عن المحسود، وانتقالها إلى الحاسد على وجه الاختصاص به..
وهذا ما أشارت إليه الروايات المتقدمة، من أنه عليه السلام قد تمنى مقام أهل البيت لنفسه، فإنه وإن لم يكن قاصداً لسلب نعمة ذلك المقام عنهم، ولا طالباً له، ولكن يلزمه سلب اختصاص ذلك المقام بهم. فهو قد قصد ما يلزم منه ـ لو حصل عليه ـ زوال إحدى الصفات عنهم صلوات الله عليهم، وهي صفة الاختصاص والتفرد لهم.. وإن لم يكن ملتفتاً إلى ذلك، وذلك رغبة منه في الحصول على كل ما يقدر على الوصول إليه من مقامات القرب والرضا.
وهذا نظير ما لو كان هناك موقع جميل على رأس جبل، يحاول إنسان أن يصل إليه ويكون فيه، مع عدم التفاته إلى أن حلوله فيه يستلزم إزالة غيره عنه. فهو لم يتمن زوال النعمة عن شخص، ليكون ذلك حسداً محرماً، بل تمنى الوصول إلى المقام الأوحدي العظيم، من دون التفات إلى أن أحداً قد بلغ إلى هذا المقام، واحتل تلك المنزلة..
وهذا ما يفسر لنا التعبير بالحرص الوارد في الرواية المتقدمة المروية عن الإمام زين العابدين عليه السلام، وقد صرحت بأن الحرص من آدم عليه السلام كان هو السبب فيما جرى لآدم وزوجته صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا وآله..
وخلاصة القول:
إن النبي آدم عليه السلام قد رأى موجودات عالية بلغت مقامات عظيمة من القرب، والكرامة الإلهية، فتمنى أن يكون معهم، وبدأ يسعى في هذا السبيل، ولكنه لم يكن يملك ما يمكنه من تحقيق أهدافه..