نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٢ - تقديم رفاعة الطهطاوى و مدخل حديث لكتابة السيرة النبوية
و إذا كان ابن عبد البر و ابن حزم قد قدما الوقائع ذاتها موجزة فإنهما قد اختلفا في اعتمادهما على الاستطرادات في تناولهما لبعض جوانب هذه الوقائع (١٠١). و رغم أن كتابة الطهطاوى تشترك معهما في انضوائها إلى النمط الموجز من كتابة السيرة النبوية فإن من اللافت أن صياغة الطهطاوى لهذه الوقائع تكشف عن بروز منحيين مختلفين لدى الطهطاوى؛ أولهما يعد إعادة صياغة و تشكيل للوقائع، بينما يعد ثانيهما بمثابة استطراد (١٠٢). و يبرز المنحى الأوّل في سرد الطهطاوى الوقائع بلغته هو، و ترتيبه الوقائع ترتيبا قائما على منطق السببية مما يدفعه إلى تقديم الوقائع على أساس تواليها الزمنى، من ناحية، و يتيح له من ناحية أخرى إمكانية تقديم أو تأخير بعض الأخبار التى قدمها الرواة السابقون ليضعها في سياق سببى مباشر (١٠٣)، و يمكن أن توصف تلك العملية بأنها نوع من التركيب السياقى الّذي يتمثل في إنشاء سياق سردى (يستلزم ترتيب مجموعة من الأحداث، بحيث تصبح هذه الأحداث سلسلة متتالية قابلة للفهم و التتبع) (١٠٤) و تحمل دلالة. و لعل تلك العملية كانت تتطلب الارتكان إلى الية الإيجاز و الحذف، و قد ظهرت فاعليتها في حذف الطهطاوى لأسانيد المرويات التى كانت تشكل عائقا أمام" ضغط" السياق السردى و تركيزه، و الإشارة الموجزة التى قدمها في نهاية صياغته الوقائع إلى أسماء عدد من شهداء المسلمين و قتلى قريش، مختلفا في هذا عن كتاب النمطين المطول و الموجز للسيرة النبوية الذين حرصوا- فى نهاية سرد وقائع الغزوة- على تقديم قوائم كاملة بأسماء من أسهموا في الغزوة، و أسماء الشهداء و أسماء القتلى، و اللافت أن هذه القوائم كانت تحتل دائما مساحة أكبر من المساحة أكبر من المساحة التى تحتلها وقائع الغزوة نفسها (١٠٥).
و بقدر ما أدت تقنية الحذف و الإيجاز إلى مساعدة الطهطاوى على التركيز على سلسلة الوقائع الأساسية، فإنها لم تمنعه من الإشارة الموجزة إلى تعدد المرويات أو اختلافها حول هذا الجانب أو ذاك. و رغم صياغة الطهطاوى لوقائع الغزوة بلغته هو فإنه قد قدم، فى إطار ذلك، الآيات القرآنيّة المرتبطة بالغزوة، كما قدم أيضا عددا من المرويات الحوارية أو الحديثية كما هى. و تابع الطهطاوى تقليدا من تقاليد كتاب السيرة بنمطيها يتمثل في شرح أو تفسير بعض الكلمات أو أسماء الأماكن داخل المتن السردى (١٠٦).