المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٩٠
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "لَعِبْرَةً تَسْقِيكُمْ"[١].
قال أبو الفتح: ليس قوله: "تَسقيكم" صفة، لعبرة كقولك: لعبرة[٢] ساقية. ألا ترى أنه ليست العبرة الساقية، إنما هناك حض وبعث على الاعتبار بسقياها لنا أو بسقيا الله "سبحانه" إيانا منها؟ فالوقف إذًا على قوله: "لعبرة"، ثم استأنف "تعالى" تفسير العبرة، فقال: "تسقيكم" هي، أو {نُسْقِيكُمْ} نحن "مِمَّا فِي بُطُونِهَا". وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} أحد ما يدل على قوة شبه الظرف بالفعل. ألا تراه معطوفا على قوله: {نُسْقِيكُمْ} ؟ والعطف نظير التثنية، والتثنية تقتضي تساوي حال الاسمين وتشابههما. ومثله في ذلك[٣] قول الآخر أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد[٤] بن يحيى ثعلب:
زَمَانَ عَلَيَّ غُرابٌ غُدافٌ ... فَطَيَّرهُ الشيْبُ عَنِّي فَطَارَا٥
فعطف "طيره" على "علي" وهو ظرف.
ومنه قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [٦]، فوجود معنى الشرط في الظرف أقوى دليل على قوة شبهه بالفعل؛ لأن الشرط لا يصح إلا به. وسوغ ذلك أيضا أن قوله: "تَسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا" في معنى قوله: لكم في بطونها سقيا، ولكم فيها منافع.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر والثقفي: "هَيْهَاتِ هَيْهَاتِ"[٧]، بكسر التاء غير منونة.
وقرأ: "هَيْهَاتٍ هَيْهَاتٍِ" عيسى بن عمر:
وقرأ: "هَيْهَاتٌ هَيْهَاتٌ" رفع منون -أبو حيوة.
وقرأ: "هَيْهَاتْ هَيْهَاتْ" مرسلة التاء[٨] عيسى الهمداني، ورويت عن أبي عمرو.
[١] سورة المؤمنون: ٢١.
[٢] في ك: عبرة.
[٣] في ك: ومثله قول الآخر.
[٤] في ك: يحيى بن أحمد، تحريف.
٥ لأبي حية النميري. وقبله:
زمان الصبا، ليت أيامنا ... وجعن لنا الصالحات القصارا
والغداف: الأسود، وأصله الشعر الطويل الأسود. يريد أن شعره كان أسود زمن الشباب، وأن الشيب أزال سواده. وانظر الخصائص: ١: ١٠٧، واللسان: "غرب".
[٦] سورة النحل: ٥٣.
[٧] سورة المؤمنون: ٣٦.
[٨] يريد مفتوحتها.