المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٥٦
هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه وحراه[١]؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من غضبه بقدرته وماضي مشيئته.
وأما "القبصة" بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسوّ[٢]، والحسوة [١٠٠ظ] فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق في معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، في معنى مضروبه ومنسوجه.
ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "لا مَسَاسِ"[٣].
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: {لا مِسَاسَ} فواضحة؛ لأنه المماسَّة: مَاسَسْتُهُ مِسَاسًا كضَاربْتُه ضَرابًا، لكن في قراءة من قرأ: "لا مَسَاسِ" نظرا؛ وذلك أن "مساسِ" هذه كنَزَالِ ودَرَاكِ وحَذَارِ، وليس هذا الضرب من الكلام -أعني ما سمي به الفعل- مما تدخل "لا" النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك فـ"لا" إذًا في قوله: "لا مَسَاسِ" نفي للفعل، كقولك: لا أمسّك ولا أقرب منك، فكأنه حكاية قول القائل: مَساسِ كدَراكِ ونَزالِ، فقال: لا مَساسِ، أي: لا أقول: مساس، وكان أبو علي ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت:
لا هَمَامِ لِي لا هَمَامِ٤
أي: لا أقولُ: هَمَامِ، فكأنه من بَعدُ لا أهمّ بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا أضربُ، فتنفي "بلا" لفظ الأمر[٥]؛ لتنافي اجتماع الأمر والنهي. فالحكاية إذا مُقدَّرة مُعتقَدة.
[١] حراه: ناحيته، كما في اللسان. وهي كذلك في ك، وفي الأصل جراه، وهو تحريف.
[٢] حسا المرقة: شربها قليلا قليلا.
[٣] سورة طه: ٩٧.
٤ قبله:
إنْ أمُتْ لا أمُتْ ونفسِي نفْسا ... نِ مِن الشك في عمًى أو تَعَامِي
والبيت بتمامه:
عادِلًا غيرَهُم مِن الناسِ طُرًّا ... بِهِمْ، لا هَمَامِ لِي لا هَمَامِ
يمدح الشاعر آل البيت. وانظر اللسان والأساس "هم".
[٥] ساقطة في ك.