المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٩
من ذلك قولهم: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني، فاختاروا البناء للفعل على فَعَل فيما كان لحاسة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فَعِل في حَلِي يحلَى[١] لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن [لو كان حس لكان أشبه[٢]] حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جُمامُ المكوك دقيقا[٣] وجِمام القدح ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح [٩٢ظ] كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك؛ فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يعدم ارتفاعه.
وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ بالخاء لما يقوَى أثره فيبُل الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت في كتاب الخصائص[٤] من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شيء كثير. وقد قال شاعرنا٥:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا ... وآفته من الفهمِ السقيم
ولكن تأخذُ الأذهانُ منه ... على قدرِ القرائحِ والعلومِ٦
ومن ذلك قراءة الحسن: "خَطَاءً٧"، بخلاف.
وقرأ: "خَطًا" غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة- الحسن، بخلاف.
وقرأ: "خِطًا" -بكسر الخاء غير ممدود- أبو رجاء والزهري.
وقرأ: "خَطْئًا" -في وزن خَطْعًا- ابن عامر، بخلاف.
[١] في القاموس: وحَلِيَ بعيني وقلبي -كرضي، ودعا- حلاوة وحلوانا، أو حلا في الفم، وحلى بالعين.
[٢] ما بين المعقوفين تكملة في هامش الأصل لم يتبين رسمها إلا على هذه الصورة، وهي ساقطة في ك، والعبارة معها وبدونها غير مستقيمة، لكن المراد بها مفهوم كما لا يخفى.
[٣] المكوك: مكيال يسع صاعا، أو نصف الويبة، وهي اثنان وعشرون مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك. وجمامه: ما على رأسه فوق طفافه، أي: ما ملا حروفه.
[٤] الخصائص: ٢: ١٥٧ وما بعدها.
٥ هو المتنبي.
٦ روي: الآذان مكان الأذهان، والقريحة مكان القرائح. وانظر الديوان: ٢: ٣٥٧
٧ سورة الإسراء: ٣١.