المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٢
فحذف للعلم به. وأما "يُوَجَّهْ"، بفتح الجيم، أي أينما يرسل أو يبعث[١] لا يأت بخير.
ومن ذلك قراءة الحسن: "بَشَرٌ الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ٢"، بألف ولام.
قال أبو الفتح: ليس قوله: "الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ" جملة في موضع صفة "بَشَر"، ألا تراها خالية من ضميره؟ وكذلك أيضا هي خالية منه في قراءة الجماعة: {بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} ، ولأن المعنى أيضا ليس على كونها وصفا، وإنما الوقف على قوله: "بَشَر"، ثم استأنف الله تعالى القول ردا عليهم، فقال: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} أي: يميلون بالتهمة إليه {أَعْجَمِيٌّ} ، {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} ، أي: فكيف يعلم الأعجمي العربية.
ولهذا قال سبحانه: {أَعْجَمِيٌّ} ، ولم يقل: عجمي، وذلك أن "الأعجمي" هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا. والعجمي هو المنسوب للعجم[٣] وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا فإن كان لسان[٤] اللغة العربية فقال الله تعالى: لسان هذا المتهم بأنه يعلمه أعجم، فكيف يجوز أن يعلم العربية وهو لا يفصح؟ [٩١و] فأعجميٌّ من أعجم بمنزلة أحمريُّ من أحمر، وأشقريٌّ من أشقر، ودوَّاريٌّ من دوَّار، وكلابيٌّ[٥] من كِلَّاب. وقد مضى ذلك.
ومن ذلك قراءة الأعرج وابن يعمر والحسن -بخلاف- وابن أبي إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة: "أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ٦"، وقرأ "الكُذُبَ" يعقوب، وقرأ "الكُذُبُ" مسلمة بن محارب، وقراءة الناس: {الكَذِبَ} .
قال أبو الفتح: أما "الْكَذِبِ" بالجر فبدل من "ما" في قوله: "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
" أي: لا تقولوا للكذبِ الذي تصف ألسنتكم.
[١] في ك: ويبعث.
٢ سورة النحل: ١٠٣.
[٣] في ك: إلى العجم.
[٤] كذا في الأصل، وفي ك: وإن كان. والظاهر أن العبارة: وإن كان لسانه اللغة العربية.
[٥] انظر المحتسب: ١: ٣١٠، ٣١١.
٦ سورة النحل: ١١٦.