المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٩٦
الكثرة؛ لأنه في معنى يتدارسونها. وقد ذكرنا فيما مضى قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [١] وأن "اكْتَسَبَتْ" أقوى من "كَسَبَتْ" وأن أصل ذلك من زيادة معنى فَعَّلَ على معنى فَعَلَ، لتضعيف العين، فاعرفه. ومثل "يَدَّرِسُونَهَا" قولهم: قرأتُ القرآنَ، وَاقْتَرَأْنُهُ قال:
نهارُهُم صِيامٌ[٢] ... وليلُهُم صَلاةٌ وَافْتِرَاءُ
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وَأَخِذٌ مِنْ مَكَانٍ قَرِيب"[٣]، منصوبة الألف، منونة.
قال أبو الفتح: لك في رفعه ضربان:
إن شئت رفعته بفعل مضمر يدل عليه قوله: {فَلا فَوْتَ} ، أي: وأحاط بهم أخذٌ من مكان قريب. وذكر القرب، لأنه أحجى بتحصيلهم، وإحاطته بهم.
وإن شئت رفعته [١٣١ظ] بالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك أخذ لهم، وإحاطة بهم. ودل على هذا الخبر ما دل على الفعل في القول الأول.
ويُسأل من قراءة العامة: {وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} : علام عطف هذا الفعل؟ وينبغي أن يكون معطوفا على قوله تعالى: {فَزِعُوا} وهو بالواو، لأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم، وإنما المراد -والله أعلم: ولو ترى إذ فزعوا فلم يفوتوا، وأخذوا. فعطف "أُخِذُوا" على ما فيه الفاء المُعَلِّقة الأول بالآخر على وجه التسبيب له عنه، وإذا كان معطوفا على ما فيه الفاء فكأن فاءً[٤] فيئول الحديث إلى أنه كأنه قال: ولو ترى إذ فزعوا فأخذوا، هذا إذا كانت فيه فاء، وأما وفيه الواو فلا يحسن عطفه على "فزعوا" بل يكون معطوفا على ما فيه
[١] سورة البقرة: ٢٨٦ وانظر الصفحة ١٣٤ من هذا الجزء.
[٢] هنا بياض في النسختين. وقد كتب في هامش الصفحة بنسخة ك كلمة "وافتقار لإكمال البيت، ولكن بقلم ومداد مخالفين وتبدو الكلمة غريبة في البيت".
[٣] سورة سبأ: ٥١.
[٤] يريد فكأن فاء فيه.