المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٤٦
قال:
نَضَوْنَ عَنِّي شِرَّةً وَأَدَّا ... مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتُ صَمُلًّا نَهْدَا١
فهو إذًا حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جِئْتُم شيئا ذا أدٍّ، أي: ذا قوة. فهو كقولهم رجل زَوْر[٢] وعَدْل وضَيْف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، كقول الخنساء:
تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ ... فإنما هِيَ إقبالُ وإدبارٌ٣
إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هي الإقبال والإدبار، أي: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف، بل لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علي:
ألّا أصبحَتْ أسماءُ جَاذِمَةَ الْحَبْلِ ... وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ الْبُخْلِ٤
أي: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب، أي: والبخل من الضنين؛ لصغر معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا.
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ قَبْلَكَ وَالْمُطْلِ٥
وأنشدنا أيضا:
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ وَالْوَلَعانِ٦
ويكفي من هذا كله قول الله "سبحانه": {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [٧]، أي من العَجَلَة، لا من الطين كما يقول قومٌ؛ لقوله: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [٨].
١ الشرة: النشاط والحدة. والصمل: الشديد الخلق من الناس والإبل والجبال والنهد: المشرف الجسيم.
[٢] رجل زور: زائر.
٣ انظر ص٤٣ من هذا الجزء. وفي الأصل: وترتع، وصوابها: ترتع.
٤ البعيث. وجذم حبل الوصال: قطعه. والضنين: البخيل. وانظر اللسان "ضن، وجذم". والخصائص: ٢٠٢، ٣: ٢٥٩.
٥ رواه ابن جني في التمام: "١٤٣" كما هنا ولم ينسبه، إلا أن فيه بعدك مكان قبلك، ورواه في الخصائص: "٢: ٢٠٣" كما هنا.
٦ صدره:
لِخَلّابَةِ الْعَيْنَيْنِ كَذّابَةِ الْمُنَى
وانظر اللسان "ولع"، والخصائص: ٢: ٢٠٣
[٧] سورة الأنبياء: ٣٧.
[٨] بقية الآية السابقة.