المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٣
المجلد الثاني
سورة الحجر
...
سورة الحجر:
بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الزهري – بخلاف: "سَكِرَتْ١".
قال أبو الفتح: أي جرت مجرى السكران في عدم تحصيله، فلذلك قال: "سَكِرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ". والسُّكْر عندنا من سَكْر العربة[٢] ونحوها. وذلك أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسربه، وكذلك حال السكران في وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه[٣] ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة[٤] وقتادة والضحاك ويعقوب وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون[٥] وعمارة بن أبي حفصة[٦]: "صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ٧"
قال أبو الفتح: "عَلِيٌّ" –هنا- كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علو الشخوص والنصبة[٨].
قال أبو الحسن[٩] في قراءة الجماعة: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} : هو كقولك:
١ سورة الحجر: ١٥.
[٢] السكر: مصدر سكر النهر، كنصر: جعل له سدًّا، والعَرَبة: النهر الشديد الجري.
[٣] ينغصه: يمنعه أن يتم مراده.
[٤] ذكره في الإصابة "٣: ٢٤٤"، ونقل أنه لم تصح له صحبة.
[٥] لعله عمرو بن ميمون بن حماد بن طلحة، أبو عثمان الكوفي القناد السكري. أخذ القراءة عن حمزة، وعرض عليه أحمد بن جبير ورويم بن يزيد. طبقات القراء: ١: ٦٠٣.
[٦] هو عمارة بن أبي حفصة الأزدي العتكي مولاهم، أبو روح البصري. روى عن أبي مجلز وأبي عثمان النهدي، وروى عنه شعبة وابن علية، وثقه أحمد. مات سنة ١٣٢. واسم أبي حفصة أبيه نابت -بنون في أوله، وقيل: ثاء. تهذيب التهذيب ٤١٥، وخلاصة تذهيب الكمال: ١٣٧.
٧ سورة الحجر: ٤١
[٨] النصبة: هيئة نصب الشيء، أي إقامته.
[٩] في ك: وقال.