المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٦٥
ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبي إسحاق والأشهب ورويت عن أبي عمرو: "أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ"[١].
قال أبو الفتح: تكون "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" بدلا من "أُمَّتُكُمْ"، كقولك: زيد أخوك رجل صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ "أُمَّتَكُمْ" بالنصب بدلا وتوضيحا "لهذه". ورفع "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" لأنه[٢] خبر إن لكان وجها جميلا حسنا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: "وَحَرِمَ عَلَى قَرْيَةٍ"[٣].
وقرأ: "وحرُم" ابن عباس -بخلاف- وأبو العالية وعكرمة.
وقرأ: "وَحَرَمَ عَلَى قَرْيَةٍ" قتادة ومطر الوراق.
وقرأ: "وَحَرِمَ"، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين في الميم عكرمة، بخلاف.
وقرأ: "وحَرْمٌ"، بفتح الحاء، وسكون الراء والتنوين ابن عباس، بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "حَرِمَ" فالماضي من حَرِمَ[٤]، كقَلِقَ من قَلِقٍ، وبَطِرَ من بَطِرٍ. قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قبر ماله[٥]، وأحرمته: قمرته. قال زهير:
وإن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمٌ٦
وأما "حَرُمَ" فأمره في الاستعمال ظاهر.
ومن جهة أحمد بن يحيى: "وَحَرِمٌ عَلَى قَرْيَةٍ"، أي: واجبٌ وحرامٌ، معناه: حُرِّمَ ذلك عليها، فلا تُبعث إلى يوم القيامة، وهذا على زيادة "لا"[٧]، وحَرِمَ الرجلُ: إذا لجَّ في شيء ومَحَكَ[٨].
[١] سورة الأنبياء: ٩٢.
[٢] في ك: لأن، وهو تحريف.
[٣] سورة الأنبياء: ٩٥.
[٤] الظاهر أنه يريد بقوله: فالماضي من حرم -إن حرم لازم، ولذا الوصف منه على فَعِل كمثل: قَلِق وبَطِر، وإلا فالفعلُ لا يُؤخذ من الوصف.
[٥] يقال: قمرته المال، أي: سلبته إياه في القمار.
٦ روي "مسغبة" مكان "مسألة". والخليل: الفقير، من الخلة. الديوان: ١٥٣، والأمالي: ١: ١٩٦، والكتاب: ١: ٤٣٦.
[٧] الآية بتمامها:
{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُون} .
[٨] محك: لج وتمادى في اللجاجة.