المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ١٧٩
وعليه قولهم: أيْشٍ تقول: أراد أيُّ شيء تقول؟ ثم خفف الهمزة وهي مكسورة، فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها في ياء القاضي والغازي، فصار أيْشٍ، كقولك: قاضٍ، وغازٍ.
ويؤكد هذا القولَ الثاني قولُ ابن مجاهد: ولا يمدها، أي: ينسى الهمز الذي كان فيها الذي لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد في الحرف الصوتَ للحركة التي كان يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: "آاْنتَ قلتَ للناس"[١]؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعني إذا خففت همزة "أنت" ولم تفصل بينها وبين [١٢٧ظ] همزة الاستفهام قبلها بألف الوصل، كالتي في قوله: "آاْنتَ قلتَ للناس" في قول أبي عمرو ومن ذهب مذهبه، لأن ذلك صوت وافٍ ومطمئن متمادٍ، وإنما مرادنا قدر تمام الصوت لتخفيف[٢] الثانية، على أن لا فاصل بينها وبين الأولى. لأنه حينئذ يوافق[٣] قوله ولا يمدها، أي: لا يمدها كما يمدها إذا اعتد حركة الثانية.
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد الأسواري، ورويت عن يعقوب: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ تأْتِ مِنْكُنَّ"[٤] بالتاء.
قال أبو الفتح: هذا حمل على المعنى، كأن "مَن" هنا امرأة في المعنى، فكأنه قال: أية امرأة أتت منكن بفاحشة، أو تأت بفاحشة[٥]. وهو كثير في الكلام، معناه للبيان كقول الله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [٦]، وقول الفرزدق:
تَعَشَّ فإنْ عاهدتَني لا تخونُني ... نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِيبُ يصْطَحِبان٧
[١] سورة المائدة: ١١٦، وتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بلا ألف بينهما قراءة ابن كثير، كما في البحر: ١: ٤٧، وإتحاف الفضلاء: ٧٩.
[٢] في ك: بتخفيف.
[٣] سقطت "يوافق" في ك.
[٤] سورة الأحزاب: ٣٠.
[٥] سقطت في ك: "أو تأت بفاحشة".
[٦] سورة يونس: ٤٢.
٧ انظر الصفحة ٢١٩ من الجزء الأول.