المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٩٨
وقرأ بعضهم: "اشْتَرَوَا الضَّلالَةَ" بفتح الواو، كل ذلك لالتقاء الساكنين. فمن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ومن ضم فلأجل واو الجمع. ومن فتح تبلَّغ بالفتحة لخفتها.
ومن ذلك قراءة قتادة: "بَلْ أَتَيْنَاهُمْ نُذَكِّرهم"، "بل أَتيتَهم بِذِكْرِهِمْ"، و"بل أَتيتُهم بذِكْرِهِمْ"، بكلٍّ قد قرئ، وذلك أنه إذا أتاهم بذكرهم فإنه قد ذكرهم به، فالمعنى إذًا واحد.
ومن ذلك قراءة أُبي: "وَلا تكَلِّمُونِ أَنَّهُ"[٢]، بفتح الألف.
قال هارون: كيف شئت "إنَّه"، و"أنِّه".
وفي قراءة ابن مسعود: "وَلا تُكَلِّمُونِ كَانَ فَرِيقٌ"، بغير "أنه".
وقال يونس عن هارون في حرف أُبي: "وَلا تُكَلِّمُونِ أنْ كَانَ فَرِيقٌ".
قال أبو الفتح: قراءة ابن مسعود: "كان فَرِيقٌ" بغير "أنه" تشهد للكسر؛ لأنه موضع استئناف، والكسر أحق بذلك. والقراءة "أَنْ كَانَ فَرِيقٌ" تشهد لـ "أنه"، ألا ترى أن معناه: ولا تكلمون لأنه كان فريقٌ كذا.
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: "عِنْدَ رَبِّهِ أَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"[٣]، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- أن[٤] حسابه يؤخر إلى أن يلقى ربه؛ فيحاسب حينئذ. وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة ولا التذكير في الدنيا؛ فيؤخر الحساب إلى أن يحاسب عند ربه لعدم انتفاعه بالوعظ[٥] له والتضييق عليه في الدنيا، وهذا كقوله "عز اسمه": {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} ٦.
١ سورة المؤمنون: ٧١.
[٢] سورة المؤمنون: ١٠٨.
[٣] سورة المؤمنون: ١١٧.
[٤] في ك: حسابه: بدون "أن".
[٥] سورة الطور: ٤٥، وفي الأصل {حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} . وهذه من الآية المذكورة. ومن آيتي {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} في الزخرف: ٨٣، والمعارج: ٤٢.