المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٥٩
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم: خَرَّقَ كلًّ مصمتٍ بعلمِه؛ لأنه بَطَن كل مُخْفًى ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متسعًا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله "تعالى": {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [١]. فهذا العمل. وذلك في العلم.
ومن ذلك قراءة عياض: "فِي الصُّوَرِ٢". بفتح الواو.
قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا في الخصائص بابا للاستحسان[٣]. قال ذو الرمة:
أشبهْنَ من بقرِ الخلصاءِ أعيُنَهَا ... وهنَّ أحسنُ من صِيرَانِه صِيرَا٤
وصِوَرا: قال أبو عبيدة: الصُّوَر جمع صورة. كصوَف جمع صوفة. ويقال: الصوَر: القرن، ويقال: فيه ثقب[٥] بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قال الناس بالأَرْمَاسِ[٦].
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَوْ يُحْدِثْ لَهُمْ ذِكْرًا٧"، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، أنشدَناه أبو علي"
سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فالأهْوَازُ منزِلُكُمْ ... ونهرُ تِيرَى ولا تعرِفْكُمُ العربُ٨
أي: ولا تعرفُكم، وقد مضى ذكر نحوه.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "فَنَسِيْ وَلَمْ٩"، ولا ينصب الياء.
[١] سورة الأنبياء: ٣٠.
٢ سورة طه: ١٠٢.
[٣] انظر الخصائص: ١: ١٣٣ وما بعدها.
٤ الخلصاء: موضع بالدهناء. ورواية الديوان: "١٨٧"، واللسان "صور": صيرانها مكان صيرانه، وصورا مكان صيرا.
[٥] كذا في نسختي الأصل، كأنها أراد بالثقب هنا الجنس أو هي الثُّقَب -بضم ففتح- جمع ثُقْبة، بضم فسكون.
[٦] الأرماس: جمع رمس، كسهل. وهو تراب القبر.
٧ سورة طه: ١١٣.
٨ انظر الصفحة ١١٠ من الجزء الأول.
٩ سورة طه: ١١٥.