المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢٩٤
والمعنى الجامع لتصريف ج ن ن أين وقعت إنما هو الاستخفاء والستر. ومنه الجن، والجنة. والجان، [١٥٣و] والجنان لا ستتار الجن، ومنه المجن -للترس- لسرته، ومنه الجنين لاستتاره في الرحمن ومنه الجنة؛ لأنها لا تكون جنة حتى يكون فيها شجر، وذلك ستر لها، والجنان: روح القلب لاستتار ذلك، والجنن: القبر، وعليه بقية الباب.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومنصور بن المعتمر[١] وطلحة: "اللَّات٢".
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق العكاظ[٣] يلت السويق والسمن عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السويق. قال أبو حاتم: كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل. وحكى أبو الحسن فيها "أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ"، بكسر التاء. وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل[٤]، بمنزلة التاء في كبت[٥] وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل، بمنزلة ألف شاة وذات مال.
ومن ذلك قراءة النبي "صلى الله عليه وسلم": "الَّذِي وَفَّى٦"، خفيفة. واختلف عنه، وهو قراءة أبي أمامة وسعيد بن جبير وابن السميفع وأبي مالك.
[١] هو منصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي الكوفي، عرض القرآن على الأعمش، وروى عن إبراهيم النخعي ومجاهد وعرض عليه حمزة، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة. وتوفي سنة ١٣٣. طبقات ابن الجزري" ٢: ٣١٤.
٢ سورة النجم: ١٩.
[٣] في ك: عكاظ.
[٤] قال أبو حيان: والتاء في اللات قيل: أصلية لام الكلمة كالباء في باب، وألفه منقلبة -فيما يظهر- من ياء، لأن مادة ليت موجودة. فإن وجدت مادة لوت جاز أن يكون منقلبة عن واو. وقيل: التاء للتأنيث، ووزنها فعلة من لوى، قيل: لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. أو يلتوون عليها، أي يطوفون حذفت لامها. البحر: ٨: ١٠٦.
[٥] قال الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيت, وكات. قال: وهذه التاء في الأصل هاء، مثل ذيت. والأصل كية وذية. فصارت تاء في الوصل. انظر اللسان "كيت"
ونقول: إن محاولة تصريف أمثال هذه الكلمات المجهولة الأصل تكلف لا غناء فيه. ولا حاجة ماسة إليه.
٦ سورة النجم: ٣٧.