المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢٤٦
مع ذلك لم يقع، ولا يقع فهذا طريق قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} ؛ لأن لفظه لفظ الشك، وإن لم يكن هناك استعتاب لهم أصلا. ألا ترى إلى قوله في الآية الأخرى: {فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ؟ [١]} .
ومن ذلك قراءة بكر بن حبيب السهمي: "وَالْغَوْا فِيه"[٢]، بضم الغين.
قال أبو الفتح: اللغو اختلاط القول في تداخله، يقال منه: لغا يلغو، وهو لاغ. ومنه الحديث: من قال في الجمعة: صه فقد لغا[٣]، يراد بذلك توقيرها وتوفيتها حقها من الخشوع والإخبات[٤] فيها، أي: فهو بمنزلة من أطال الكلام وخلط فيه. وفي الحديث أيضا: إياكم وملغاة أول الليل، أي: كثرة الحديث. فهذا كالحديث المرفوع: خرج علينا عمر، فجدب لنا السمر[٥]، أي: عابه.
ونحو منه قول الله "سبحانه": {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [٦]} ، وقوله: و {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [٧]} ، أي: بالباطل، فهو راجع إلى هذا؛ لأن كثرة القول مدعاة إلى الباطل، وقوله "تعالى": {لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [٨]} يحتمل أمرين:
أحدهما كلمة لاغية.
والآخر أن يكون مصدرا، كالعاقبة، والعافية، أي: لا يسمع فيها لغو، وهذا أقوى من الأول؛ لأن في ذلك إقامة الصفة مقام الموصوف، وهذا غير مستحسن في القرآن.
[١] سورة الجاثية: ٣٥.
[٢] سورة السجدة: ٢٦.
[٣] نصه في اللسان "لغا": من قال يوم الجمعة والإمام يخطب لصاحبه: صه فقد لغا.
[٤] الأخبات: الخشوع والتواضع.
[٥] عبارته في اللسان "جدب": جدب لنا عمر السمر بعد عتمة.
[٦] سورة الفرقان: ٧٢.
[٧] سورة القصص: ٥٥، وفي هامش نسخة الأصل: في الأصل: مروا باللغو.
[٨] سورة الغاشية: ١١.