المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ابن جني - الصفحة ٢٢٨
ذلك تأويلا آخر، وهو أن يكون أراد: راكب الناقة أحد طليحين، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
والذي عندي في قوله:
ألا فَالْبَثَا شَهْرَيْنِ أو نِصْفَ ثَالِثٍ [١٣٩و]
أن يكون على حذف المضاف، أي: ألا فالبثا شهرين أو شهرَيْ نصف ثالث، أي: والشهرين اللذين يتبعهما نصف ثالثهما؛ لأنه ليس كل شهرين يؤمر بلبثهما لابد أن يصحبهما نصف ثالثهما، لكن البثا أنتما شهرين، أو الشهرين اللذين يتبعهما في اللبث نصف ثالثهما. وصحت[١] الإضافة فيهما هذا القدر من الوُصلة بينهما. وقد أضافت العرب الأول إلى الثاني لأقلَّ وأخفضَ من هذه الشبْكة بينهما. أنشدَنا أبو علي:
إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُحْرَةٍ ... سُهَيْلٌ أذاعَتْ غَزْلَهَا فِي الغرائب٢
قال: فأضاف سهيلا إليها لجِدها في عملها عند طلوعه، وقريب من هذا قول الرجلين بحملان الخشبة -أحدهما لصاحبه-: خذ أنت طرفك، ولآخذ أنا طرفي. وإنما الطرف للخشبة، لا لحاملها، فاعرف كلام القوم تر العجب منه والحكمة البالغة فيه بإذن الله تعالى.
ومن ذلك قراءة الحسن: "إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ٣"، بضم اللام.
قال أبو الفتح: كان شيخنا أبو علي يحمله على أنه حذف لام "صال" تخفيفا، وأعرب اللام بالضم، كما حذفت لام البالة من قولهم: ما باليت به بالة، وهي البالية، كالعافية والعاقبة.
وذهب قطرب فيه إلى أنه أراد جمع "صال"، أي: صالون، فحذف النون للإضافة وبقي الواو في صالو، فحذفها من اللفظ لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى "من" لأنه جمع، فهو كقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [٤]} ، وهذا حسن عندي، وقول أبي علي وجه مأخوذ به.
[١] صحت الإضافة: سوغها، وأبرأها من الضعف. من قولهم: صح الله فلانا: اذهب مرضه. وأنث "القدر" ذهابا به -كعادته- إلى المعنى، إذ هو قدر من الوصلة.
٢ ورد البيت في اللسان "غرب" غير منسوب.
٣ سورة الصافات: ١٦٣.
[٤] سورة يونس: ٤٢.